نظرة على محتويات المقال:
هذه القصيدة من أشهر قصائد العلامة الشاعر النابغة الدكتور محمد إقبال رحمه الله.
وكانت أول ما نشرت ١٩٠٥م تحت عنوان: ” أنشودة ولد هندي” في مجلة: ” مخزن “، ثم أعاد الشاعر النظر في القصيدة، وتناولها بالتنقيح والتعديل، ونُشرت في ديوانه: “بانگ درا” (صلصلة الجرس) بعنوان: ” أنشودة الأطفال الوطنية “.
تعود هذه القصيدة إلى العهد الأول من فكر إقبال، الذي كان يتغنى فيه بـ: ” حب الوطن ” وإيثاره على ما عداه من جميع الأقطار والأمصار، فقد مدح في هذه القصيدة ( الهندَ) مدحًا ينم عن حبه بل عشقه لوطنه، ففي كل بيت من أبياتها يتباهى بعظمة وطنه: ( الهند ) ومجدها في أسلوب يقطر حبًّا غير عاديٍّ لها، واعتزازًا بشخصياتها، وإشادة بخصب أرضها، وتنويهًا بما حباها الله به من الخصائص والمزايا.
كلمة الحق:
چشتی نے جس زمین میں پیغام حق سنایا
نانک نے جس چمن میں وحدت کا گیت گایا
الترجمة:
تلك القطعة من الأرض التي أسمعها الجشتي رسالة الحق.
تلك الروضة التي تغنى فيها نانك بأنشودة التوحيد.
الشرح:
يبدأ إقبال مدح وطنه بذكر شخصيتين دينيتين بارزتين ممن ساهموا في بناء مجده وعظمته بحظ وافر.
فالمصراع الأول يشير إلى المربي الكبير الشيخ معين الدين الجشتي، الذي قدم من خراسان إلى الهند، وحط فيها الرحال، واتخذها وطنه، وعمرها بالدعوة إلى التوحيد الخالص والدعوة والتزكية، ولقب – لصنائعه ومكارمه – بـ: ” غريب نواز ” ( صاحب الفضل والعطاء على الفقراء ).
كما ذكر إقبال شخصية إسلامية دينية بارزة، ذكر – كذلك – شخصية معروفة منتمية إلى إحدى الديانات الموجودة في الهند، وهي شخصية: ” كرو نانك” ( GURU NANAK) أحد الرموز الدينية العشرة من طائفة: ” السيخ “، بل يُعتَبر مؤسس ديانة: ” السيخ “، فقد خصه إقبال بالذكر، وأشاد به، فكان – كرونانك – دعا إلى التوحيد من جديد في منطقة بنحاب بصفة خاصة، واستنكر النظام الطبقي الجائر الذي كان يسود تلك المنطقة، وندب الناسَ الى التخلي عنه، والجدير بالذكر أن كرونانك قصر دعوته على التوحيد فحسب، وما كان دعا إلى الإيمان بالنبوة، ومن هنا.. فإن السيخ يقرون بالتوحيد فقط ويشيدون به، فإيمانهم لا اعتبار له، ولا يمكن به النجاة.
الوطن الحبيب:
تاتاریوں نے جس کو اپنا وطن بنایا
جس نے حجازیوں سے دشت عرب چھڑایا
میرا وطن وہی ہے میرا وطن وہی ہے
الترجمة
تلك (البلاد) التي اتخذها التتار وطنًا لهم.
وهجّرت الحجازيين صحراءَ العرب، (أي سهلت – بل سوّغت – لهم مغادرة وطنهم ذاك)
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
الشرح:
التتار: المراد به جميع حكام الهند من الملوك والأمراء – من التيموريين والمغول – الذين ساهموا بحظ وافر في الرقيّ بالبلاد وإثرائها بحضارة الإسلام الرائعة المتميزة.
الحجازيون: المراد به العرب الفاتحون – وعلى رأسهم محمد بن القاسم الثقفي – الذين أول ما دخلوا السند، وحملوا معهم محاسن الإسلام ومكارمه للبشرية جمعاء.
البيت الأول يتضمن الإشارة إلى شخصيتين بارزتين من أعلام الهند، بينما البيت الثاني يشير إلى أمتين معروفتين من أمم الدنيا.
يؤكد إقبال على أن الهند لم تزل – منذ قديم – محضن مختلف الأمم والشعوب، فقد استوطنها العرب والعجم والترك والتتار وغيرها من الأمم، استوطنوها لجمالها وخصب أرضها وعظمتها، وأحبوها حب الناس لوطنهم الأم، وما قصروا في خدمتها، فمن هنا.. صارت مركزًا عالميًّا، يتوافد – بل ينجذب – إليه الناس من كل ناحية من أنحاء الدنيا.
ويختم الشاعر هذا المقطع – أيضًا – بالاعتزاز بوطنه قائلًا:
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
خصب أرض الهند:
یونانیوں کو جس نے حیران کر دیا تھا
سارے جہاں کو جس نے علم و ہنر دیا تھا
مٹی کو جس کی حق نے زر کا اثر دیا تھا
ترکوں کا جس نے دامن ہیروں سے بھر دیا تھا
میرا وطن وہی ہے میرا وطن وہی ہے
الترجمة:
إنها – الهند – لهي – البلاد – التي حيرت اليونانيين، وأعطت الدنيا كلها الحكمة والفن والصنعة.
ومنح الحقُّ تعالى أرضَها أثر الذهب
والتي ملأت خزائن الأتراك ألماسًا.
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
الشرح:
ما تتميز به الهند من الحكمة والفن، والصنعة والفلسفة، ووفرةِ المنتوجات الزراعية، وما تفيض به أرضها من المعادن والخيرات.. إن كل ذلك من الدلائل الحية الصادقة على خصب أرض الهند وجودة إنتاجها، وبداعة قرائح أبنائها، وتميزها على أرض البلدان والأقطار الأخرى.
لقد تميزت الهند بالفلسفة الهندية والعلم والصنعة تميزًا حير اليونانيين الذين تنتهي إليهم الإمامة في الفلسفة والحكمة، كما أن الحضارات والثقافات الهندية – هي الأخرى – ( وبخاصة حضارة السند في صنعة الزخرفة والنقش والرسم – نالت الإعجاب والإشادة حتى من العصر الحاضر، كذلك بدائع الرياضيين الهنود وابتكاراتهم مما تستفيد منه الدنيا كلها.
وإذا ذكرنا المنتوجات الزراعية من الهند، فإن تراب الهند من أخصب أراضي الدنيا إنتاجًا، وفي جميع فصول السنة تصلح الحقول الهندية للنبات من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها، وتنبت من كل زوج بهيج، ثم إن ثروة الهند المعدنية كانت ملأت خزائن حكامها غنى لا يقدر وثراء لا يتصور.. فتربعوا على سرير الطاووس، وكان ألماس: ” کوہ نور ” زينة تاجهم، وبنوا أجمل بناية أسطورية في العالم: ” تاج محل “. ومن هنا.. كانت الهند تسمى: ” طائرًا من الذهب “.
ترحيب الهند بالعباقرة الوافدين
ٹوٹے تھے جو ستارے فارس کے آسماں سے
پھر تاب دیکے جسں نے چمكائے کہکشاں سے
وحدت کی لے سنی تھی دنیا نے جس مکاں سے
میر عرب کو آئی ٹھنڈی ہوا جہاں سے
میرا وطن وہی ہے، میرا وطن وہی ہے
الترجمة:
إن هذه البلاد هي التي أعادت إلى النجوم – التي كانت هوت من سماء فارس – توهجها وتألقها (بنور ) الثريا.
وهي التي كانت الدنيا سمعت – منها – نغمة التوحيد.
والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم شعر بنسيم بارد يأتي منها. (١)
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
الشرح:
فارس: اسم إيران القديم.
إن العلماء والشعراء والأمراء والمشايخ من الصوفية، الذين غادروا فارس PERSIA إلى الهند، واستوطنوها، وأثروها ببدائع قرائحهم، ونشروا فيها من علمهم وحكمتهم، ما وصلت أنواره إلى أقصى أنحاء العالم.
والمعنى الثاني أن أرض الهند فتحت أذرعها لاستقبال هؤلاء العباقرة والحهابذة القادمين من الفارس، ومنحتهم من الألق واللمعان، ما جعلهم يتألقون كنجوم الثريا.
أرض الأمجاد:
بندے کلیم،، جس کے پربت جہاں کے سینا
نوح نبی کا آ کر ٹھیرا جہاں سفینا
رفعت ھے جس زمین کی بام فلک کا زینا
جنت کی زندگی ھے جس کی فضا میں جینا
میرا وطن وہی ھے، میرا وطن وہی ھے ۔
الترجمة:
إنها – بلاد الهند – لهي الأرض التي ظهرت فيها معجزات موسى عليه السلام، وأرست بها سفينة نوح عليه السلام.
وهذه الأرض – أرض الهند – سلم للسماء رفعة وعلوًّا، والعيش فيها كالعيش في الجنة.
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
الشرح
إنها – الهند – بلاد، تشبه خصائصُ أهلِها النبيَّ موسى عليه السلام.
هذه إشارة إلى خصوصية: « كليم الله » التي اختص بها موسى عليه السلا دون غيره من الأنبياء والرسل، قال المختصون بشرح شعر إقبال: يشير الشاعر بذلك إلى المعرفة الإلهية التي ظل بها يُعرَفُ أهل الهند منذ قديم.
ثم يقول الشاعر إن جبال الهند مثل جبل: ” طور سيناء ” ( MOUNT SINAI )، فلها نصيب من التجلي الإلهي.
أما قول الشاعر: إن سفينة نوح كانت أرست بجبل الهند، فهذه إشارة إلى ما يُروى من الأخبار والقصص القديمة، وكان هذا الخبر – خبر إرساء سفينة نوح عليه السلام بجبل الهند – مما يوثق به ويُصَدَّق من قبل، وكان من مفاخر أهل الهند، ولكن التحقيقات الجديدة كذّبت هذا الخبر، وعدّته من أساطير الأولين.
إن الذين يسكنون هذه البلاد من العباقرة والحهابذة في كل فن من الفنون، وما تتميز به من التراث العريق والعلم والحكمة والفن والفلسفة، وما تلفظ أرضها من الذهب، كل أولئك ساهم في تشييد عظمتها، و في إيصالها إلى القمة التي تناطح السحاب، ورَفْعِ شأنِها رفعًا صار سلمًا للصعود إلى السماء، ومن هنا.. فإن العيش في مثل هذا الوطن الغالي كالعيش في الفردوس الأعلى.
هذا النشيد يمثل نشيد الإشادة بعظمة الهند ومجدها، يحتوي كلَّ ما يعتز به كل هندي، ولكن سرعان ما تطور فكر إقبال، وتحولت هذه النزعة الوطنية نزعةً عالمية لا تختص بوطن دون وطن، أو منطقة بعينها، بل تخطت – نزعة إقبال القومية – الحدودَ والبحار والجبال، فوطن المسلم العالم كله:
مسلم ہیں ہم، وطن ھے سارا جہاں ہمارا
( إننا مسلمون.. والعالم كله وطننا.. )
يذكر إقبال في هذا المقطع الأخير من القصيدة الهندَ أرضًا للأنبياء، فإنها – أرض الهند – لا تحمل أهمية تاريخية فحسب، بل لها عظمة روحية كذلك..، فهذه البلاد لها من العظمة والقداسة كالجنة عند إقبال.
الخلاصة: لقد أبرز إقبال في هذا النشيد الوطني عظمة الهند الروحية والعلمية والحضارية، وأشار – بذكر مختلف دياناتها وقياداتها الروحية – إلى أن هذه البلاد ظلت – منذ قديم – مركزًا عالميًّا للتوحيد والوحدة والعلم والتضحية.
وفي نهاية كل مقطع يعيد قوله:
إنها – بلاد الهند – لهي وطني.. إنها لهي وطني..
في إشارة إلى أن هذه البلاد وارثة الأمجاد والمفاخر، فمن هنا.. لَحَرية بأن يعتز بالإنتساب إليها
ملحوظة: اختيار هذه القصيدة للترجمة والشرح لا يعني – بالضرورة – الموافقة على جميع ما تحتوي من الأفكار والآراء.
الهوامش:
(١) لعلها إشارة إلى الحديث الشريف: « أشعر بنسيم بارد يأتي من الهند »، وليس له أصل، وإنما روي أثر – بهذا المعنى – عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من طريقين، أحدهما صحيح.
( الثلاثاء: ٢١ من ربيع الآخر ١٤٤٧ھ = ١٤ من أكتوبر – تشرين الأول – ٢٠٢٥م )


