الأمثال والحكم النبوية:
يُراد بالحِكم هذه الأقوال الموجزة التي تحمل مع إيجازها معنًى صائبًا مستنبطًا من التأمل أو من تجارب الحياة، فتشيع هذه الحِكم وتحفظ. وهي تأتي في النثر كما تأتي في الشعر. (١)
أما الأمثال، فيقول عنها ابن عبد ربه:
“الأمثال التي هي وشي الكلام وجوهر اللفظ وحُلي المعاني، والتي تخيرتها العرب وقدمتها العجم، ونُطق بها في كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة، لم يَسِر شيء سيرَها، ولا عمَّ عمومَها، حتى قيل: «أسير من المثل».”
وقال الشاعر:
ما أنتَ إلا مثلٌ سائرٌ
يَعرفه الجاهلُ والخابرُ (٢)
ما الفرق بين الأمثال والحكم؟
يُلحظ في المثل – عادة – الإيجاز والمغزى والطعم اللاذع أو الروح الساخر والذيوع أو الشعبية، وبعض هذه الملاحظات مما يُشترط في الحكمة أيضًا، وبعضها مما لا يُشترط كـ “الطعم اللاذع”، فإنه شرطٌ في المثل لا في الحكمة، وهو العنصر الفكاهي فيه الذي ينقد الحياة، وهو الذي يجعل للمثل قوة التأثير وسهولة التعلق بالذاكرة، ويمهد له سبيل الذيوع.
وشرط الشعبية لا بد منه في المثل لا في الحكمة، فلا بد أن يُدمغ بدمغة الشعبية ليكون مثلًا. ثم إن صحة المعنى ومطابقته للحقيقة تُلحظ في الحكمة أكثر مما تُلحظ في المثل، فالمثل قد يدل على وجهة نظر قائله أكثر مما يدل على صحة معناه، ولذلك تجد المعنى الواحد قد عُبر عنه بمثلين متناقضين، مثل:
«اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، و«القرش الأبيض ينفعك في اليوم الأسود» وهكذا. (٣)
مزايا الأمثال والحكم النبوية:
إن الأمثال والحكم النبوية تمتاز عن غيرها امتيازًا يدل على أن مصدرها مصدر طهرٍ وصدقٍ وعفاف، ويلوح عليها نور النبوة، وتتجلى فيها روعة البلاغة وسحر البيان النبوي السامي، وروحانية الفضل الإلهي، وطابع الحكمة البيانية، ودلالة العصارة الطويلة في ميدان الدعوة والجهاد والوعظ والإرشاد.
هذه بعض الخصائص للأمثال والحكم النبوية، وإليكم الآن نماذج منها:
نماذج من الأمثال والحكم النبوية:
١- إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى. (٤)
٢- اطلبوا الخير عند حِسان الوجوه. (٥)
٣- إن مما يُنبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يُلِمّ. (٦)
إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى
في هذا المثل الحكيم بيان لمضار الإفراط والغلو في عملٍ من الأعمال، وخاصة ردٌّ على الغلو في العبادة، فلقد شبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم الغالي في العبادة بالمُغِذِّ في السير، إذا أفرط في الإغذاذ حبطت راحلته قبل أن يبلغ حاجته أو يقضي سفره. فشبه بذلك من أفرط في العبادة حتى يبقى حسيرًا.
فهذا مثل يُضرب لمن يبالغ في طلب الشيء ويفرِط فيه، حتى ربما يفوّته على نفسه، ويخسر ما اجتهد من أجله. وقد قال أعرابي للحسن البصري: علّمني دينًا وسطًا، لا ذاهبًا فروطًا ولا ساقطًا سقوطًا، فقال: “أحسنت يا أعرابي، خير الأمور أوساطها.”
اطلبوا الخير عند حسان الوجوه
في رواية للخطيب: «صِباح الوجوه»، أي الطَّلقة المستبشرة وجوههم، فإن الوجه الجميل مظنة لفعل الجميل، وبين الخَلق والخُلق تناسب قريب غالبًا، فإنه قلَّ صورة حسنة تتبعها نفس رديئة، وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس.
أنشد بعضهم:
دلَّ على معروفِه حسنُ وجهِه
بورك هذا هاديًا من دليل
كما قال الآخر:
سيدي أنت أحسن الناس وجهًا
كُن شفيعي في هولِ يومِ كربة
وقيل: أراد حسن الوجه عند طلب الحاجة، أي بشاشة الوجه عند السؤال، ويشهد له خبر الخطيب مرفوعًا: «اطلبوا حوائجكم عند حِسان الوجوه، إن قضاها قضاها بوجهٍ طليق». (إسلام ويب)
وقال الضبي في كتاب الأمثال:
“الوجوه ها هنا: المطالب، أي اطلبوا الخير من أحسن المطالب التي تحلّ لكم وتحسن بكم.”
إن مما يُنبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يُلِمّ
أي إذا أكثرت منه الماشية استوبلته وحبطت بطونها فهلكت، قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الدنيا، ومعناه أن من وُسع عليه رزقه ربما صرفه في غير وجهه، فيصير سببًا لهلاكه.
هذه النماذج المباركة من الأمثال والحكم النبوية – إضافة إلى ما تحمل مضامينها من نفعٍ وخيرٍ للدنيا والآخرة إذا ما جعلها الإنسان نصب عينيه – لا يمكن أن يكون هناك كلام أحسن منها في البلاغة والأدب، والشكل والمضمون، ودقة التصوير وبراعة التعبير وحسن التمثيل.
الهوامش:
(١) أبو عكرمة الضبي: مقدمة كتاب الأمثال.
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، ٦٣/٣.
(٣) ذكر هذا الفرق أحمد أمين في فيض الخاطر، ٨/٢٢٧.
(٤) حديث صحيح.
(٥) الحديث ورد بطرقٍ وألفاظٍ مختلفة، ولكن لا يصح رفعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في جامع الأحاديث للسيوطي، ج١، ص٧٦–٧٧.
(٦) ذكره الميداني في كتاب الأمثال.
(الأحد: ٣ من جمادى الأولى ١٤٤٧هـ = ٢٦ من أكتوبر ٢٠٢٥م).







