الكتابات التي أملاها النبي عليه السلام مع بيان مزاياها
الكتابة وشرفها في الإسلام:
لقد رفع الله شأن «الكتابة»، حيث ذكر آلة الكتابة في أول وحي أوحى به إلى عبده محمد رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، فقال تعالى: {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} وأقسم سبحانه في مكان آخر في القرآن الكريم بالقلم، فقال تعالى: {ن والقلم وما يسطرون}.
فالقلم والكتابة من الدعامات الأولى التي قام عليها بناء الإسلام ووصلت بها الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه من رقى وازدهار في ميدان العلم والكتاب.
وإن هذه المكتبة الإسلامية الزاهرة التي تباهي بها الأمة المحمدية – على صاحبها الصلاة والسلام – الأمم الأخرى، ما كان لها وجود ولا أثر لو لم يكن هناك فضل للقلم والكتاب في الإسلام!
عناية رسول الله ﷺ بنشر الكتابة وتعميمها:
لقد شجع الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم لتعلم الكتابة، فجعل فداء بعض أسرى قريش في بدر – ممن كانوا من عارفي الكتابة – تعليم عشرة من الصبيانِ الكتابةَ.
وبجانب ذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بعض أصحابه إلى تعلم اللغات الأجنبية، ففي البخاري عن زيد بن ثابت:
«أتي بي النبي صلى الله عليه وسلم حين مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة من القرآن الكريم، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له».
وقد حض القرآن على اتخاذ الكتابة سندًا في المعاملات، يقول جل شأنه: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}.
وكان للرسول صلى الله عليه وسلم جماعة من الكتاب تخصصوا بكتابة الوحي، ونرى من ذلك أن الكتابة أخذت تستخدم استخدامًا واسعًا ليس في كتابة القرآن الكريم فحسب، بل في كتابة كثير من شؤون المسلمين. (1).
* * *
والآن نتحدث عن نوعين من كتابات النبي صلى الله عليه وسلم، وهما:
«رسائل النبي صلى الله عليه وسلم».
و «معاهداته» عليه الصلاة والسلام.
ونبدأ بالرسائل النبوية – على صاحبها الصلاة والسلام.
معنى «الرسالة» وأهميتها في الإسلام
«الرسالة» هي الخطاب المكتوب الذي يرسله الرجل إلى الآخر، وكتابة «الرسالة» ارتقت حين جاء الإسلام، فازدادت الحاجة إليها في كثير من شئون المسلمين، فاستخدمت في كتابة المعاهدات والرسائل التي كان يبعث بها النبي إلى الأمراء والملوك.
الرسائل النبوية ومزاياها الكتابية
كانت الرسائل النبوية تُفتح بالبسملة، ويبتدئ صدورها ـ غالبًا ـ بـ «السلام عليكم» أو «والسلام على من اتبع الهدى» إذا كان المكتوب إليه من غير المسلمين، ويُثَنّى – فيها – بالحمد والثناء، ثم يُذكر المقصود، ثم الخاتمة بالتسليم.
جاء في “تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي” (2):
“والناظر في هذه الكتب النبوية لا محيص له من أن يرى فيها مزايا كتابية خاصة نذكر منها:
1 – الإيجاز والبساطة.. فكلها شاهد على الاستغناء بأقل ألفاظ، وعلى الخلو من الصناعة اللفظية، تكثر فيها الإشارة إلى المعاني والبعد عن تكلف السجع أو البديع، وهي أقرب إلى لغة المحادثة والتخاطب.
2 – تكثر فيها الألفاظ المناسبة لحال المخاطب كالعباهلة والتيمة والطلح والعارض و القريش والسيوب والوراط وعشرات غيرها من الألفاظ التي يقل أو يندر استعمالها في غير ذلك، وقد نبه نُقاد العربية إلى هذا الأمر، قال القلقشندي:
وكانت لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يتكلم بها على الدوام يخاطب بها الخاص والعام لغة قريش وحاضرة الحجاز، إلا أنه أوتي جوامع الكلم، وجمع إلى سهولة الحاضرة جزالة البادية، فكان يخاطب أهل نجد وتهامة وقبائل اليمن بلغاتهم.
3- تتابع العبارات في كثير منها بعطف أو غير عطف دون تكلف التعادل بينها أو صحة التقسيم، ولا يفوتنا أن ننبه على صناعة الكتابة، إنما كان ابتدأ تمثيلها بما صدر عنه من الكتب، ولم يكن ذلك من أمر العرب قبله، إنما كانوا يستودعون رسائلهم في الألسنة، وقد أحصوا من كتبوا عنه في الوحي والرسائل، فعدهم ابن عساكر (في تاريخ دمشق) ثلاثة وعشرين، وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت ومعاوية أبي سفيان. (3)
نموذجان من الرسائل النبوية الموجهة إلى أهل الكفر:
1- كتابه إلى هرقل:
«من محمد رسول الله إلى صاحب الروم، إني أدعوك إلى الإسلام، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، وإن لم تدخل في الإسلام فأعط الجزية، فإن الله تعالى يقول:
{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وإلا فلا تحُل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية). (4).
كتابه إلى صاحب مصر:
«أما بعد! فإن الله أرسلني رسولاً، وأنزل علي قرآنًا، وأمرني بالإعذار والإنذار ومقاتلة الكفار، حتى يدينوا بديني، ويدخل الناس في ملتي، وقد دعوت إلى الإقرار بوحدانيته، فإن فعلتَ سعدتَ، وإن أبيتَ شقيتَ». (5).
أهم مزايا الرسائل النبوية: التركيز على المقصد!
كما نرى ذلك واضحًا في الكتابين المذكورين اللذين وجههما الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل من هرقل وصاحب مصر، فلم يعر رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم العناية للجانب الفني، ولم يقصد إليه قصدًا، غير العناية بالهدف الأصيل عناية تامة، فلا نرى في أسلوبي الكتابين ما يلفت الأنظار – في بادئ النظر -إلى ما يلتفت إليه- من المحسنات اللفظية والبدائع الشكلية أو دقائق المعاني ولطائف المضامين النادرة، بل إنما هو أسلوب مفهوم -فهمًا سريعًا- بسيط، وكلمات لا تحتاج في فهمها إلى صعوبة ودقة.
ثم العجب ممن قال: إن الكتب النبوية عامة، والكتب النبوية التي أرسلت إلى الملوك خاصة خالية من الشواهد القرآنية، غير أن لدينا من الشواهد التي تنفي هذا القول.. مثل كتابه إلى هرقل، فهو يشتمل على الاستشهاد بآية كاملة -قصيرة- كما رأينا آنفًا.
والآن نريد أن نأتي بنموذج من الكتب الغريبة التي كان يبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبائل العرب، ويخاطبهم فيها بلحونهم: «لتعرف الأمر على حقه، ولتميز اللغة السهلة التي ذهبت خشونتها وانسحقت في الألسنة، وهي لغة قريش – من هذه اللغات الغريبة التي يجمعها صلى اللًٰه عليه وسلم دون قومه، ثم لا تجرى في منطقه إلا مع أهلها خاصة، ولا تندر في كلامه مع غيرهم، أو تغلب عليه، أو تنقص من فصاحته، أو تضعف أسلوبه، كما هو الشأن في أهل الغريب من هذه اللغة وفيمن يتباصرون به، ويتكلفون لذلك حفظه وروايته، وهم أهل التوعر والتقعير واستهلاك المعاني، الذين تسلمهم إلى ذلك طبيعة الغريب نفسه، إذ يدور في ألسنتهم ويستجيب لهم كلما مثلت معانيه غير مجتلب ولا مستكره، ويغلبهم على مرادفه من الكلام السهل المأنوس، لأنهم أكثر رغبة فيه، وأشد عناية به في الطلب والحفظ والمدارسة، ومتى نشطت طبيعة الإنسان لأمر من الأمور، فقد لزمها توفير قسطه من المزاولة وتوفية حقه من العناية به حتى تبلغ منه البلاغ كله، وحتى يكون هو الغالب عليها، وحتى يلزمه منها في حق الاستجابة إليها ما لزمها منه في حق العناية». (6).
من رسائله – صلى اللًٰه عليه وسلم – إلى أهل الإسلام:
والآن نورد – فيما يلي – كتابه – صلى اللًٰه عليه وسلم – من كتبه الغريبة التي أشرنا إليها في السطور الماضية – إلى وائل بن حجر من أهل حضرموت، وهو كما يلي:
« من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، على التيعة الشاة، والتيمة لصاحبها في السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام». (7).
مخاطبة المكتوب إليه بلغته
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب -المذكور آنفًاـ بالألفاظ الفخمة واللغة العويصة لما عرف أهل حضرموت بفضل القوة في المنطق وكونهم أهل اللسن والبيان، وعلو كعبهم في هذا الميدان، ثم لم يكن يتكلف لذلك تكلفًا، ولا يأتي إلى هذه الأساليب أو هذه الكلمات أو هذه الألفاظ أو هذه اللغات الغريبة.. بالنظر والتأمل، وإنما هي عفو الخاطر فيض الساعة.
« فهي ولا ريب لم تكن مجتلبة ولا متكلفة، ولا ترامى إليها البحث والتفتيش، وإنما جرت منه – صلى الله عليه وسلم – مجرى غيرها مما قذفه الطبع المتمكن، وألفته السليقة الواعية، ولا ريب أن وراءها في ذلك الطبع وتلك السليقة، وما وراء ألفاظها من سائر ما انفردت به تلك اللغات عن القرشية، فلا بد أن يكون عليه الصلاة والسلام محيطًا بفروق تلك اللغات، مستوعبًا لها على أتم ما تكون الإحاطة والاستيعاب، كأنه في كل لغة من أهلها بل أفصح أهلها». (8).
نموذج من معاهداته
جاء في نص صلح الحديبية:
«هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه». (9).
أسلوب المعاهدة:
لم يُعنَ الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم في المعاهدة بصناعة فنية أو صنعة من صنائع الكلام، بل هو يركز -بصفة أولى- على ذلك الغرض السياسي الذي كان يتوخاه من هذه المعاهدة، فأسلوبها أسلوب سهل بسيط، أسلوب المحادثة والتخاطب الذي لا تأنق فيه، وإنما يطابق الموضوع مطابقة كاملة، فلنقس على ذلك جميع معاهداته واتفاقيات الأمن والسلام التي تم توقيعها بينه وبين غيره من اليهود والكفار أو القبائل.
الهوامش:
(1) أحمد شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي، ص: 95، الطبعة الثالثة، دار المعارف، مصر.
(2) لأنيس المقدسي: 36.
(3) مصطفى صادق الرافعي: تاريخ آداب العرب 2/ 335، على الهامش.
(4) صبح الأعشى للقلقشندي 6/ 377، دار الكتب الخديوية، القاهرة، 1333
ھ – 1915م.
(5) أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العربية الزاهرة 1/ 43. المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.
(6) الرافعي: تاريخ آداب العرب 2/ 346، 337، مطبعة الاستقامة، الطبعة الثانية: 1359ھ – 1940م.
(7) القلقشندي: صبح الأعشى: 2/ 339.
(8) الرافعي: تاريخ آداب العرب 2/ 339.
(9) صبح الأعشى…
(الأحد: 27 من ذي الحجة 1447ھ = 14 من يونيو – حزيران – 2026م).







