جاءنا خبر سار طريف من بلد عربي يفيد أن طالبُا يدرس في السنة الأولى من الثانوية، رزق بولد، وعمره ١٦ سنة فقط، ولذا عد أصغر أب في البلد.
لا شك أن الخبر من النوادر خاصة في هذا العصر، الذي صار الزواج المتأخر فيه موضة تقليعة، أو عادة، أو أمرًا لا مناص منه.. حيث أن الدراسة العليا قد لا تكتمل إلا بعد الثلاثين، أو لا يجد الإنسان عملًا مناسبًا أو وظيفة يرتاح إليها، إلا بعد لأي… فيتأخر الزواج تأخرًا كثيرًا.
على أن الزواج المبكر شيء ينبغي -بل يجب- أن يشجٌَع عليه، ويُرغٌَب فيه، ويُندب إليه دينيًّا، وخلقيًّا، وشخصيًّا واجتماعيًّا، وهناك حكمة عربية تقول: “ولد الشارب للحية، وولد اللحية للشيبة، وولد الشيبة للخيبة “.
مفاد هذه الجملة الحكيمة أن من تزوج مبكرًا خدمه أولاده مبكرًا، ومن تأهل في ربيع عمره خدمه أولاده عند حاجته إلى خدمة، ومن تزوج في مشيبه ضاعت لديه فرصة من يعتني بشيخوخته… تصنيف ملؤه الواقعية والعقلانية.
نعم. فلا ينكر عاقل فوائد الزواج المبكر، أولها وأعظمها التحصن والتعفف، خاصة في هذا العصر المليء بما تزل فيه قدم الإنسان، ويصعب عليه حفظ عفافه والتجنب من معصية الله، والبعد عن مطية الاثم.. فإذا لم يكن في الزواج المبكر غير هذه الفائدة، لكفانا ذلك ترغيبًا فيه -الزواج المبكر- وحثًّا عليه. فالعفاف والطهر والحياة الطيبة والاستقامة مصدر كل خير وسعادة وبركة، والعكس بالعكس…
على كل.. هذا الخبر(المادي) نقل الفكر نقلة معنوية.. واستجاش الشعور.. وأثار في الحس خواطر ندية ثرية موحية.. ساقتني إلى حلم رائع لذيذ مما يراه الإنسان في النهار.. في يقظته وفي كامل شعوره.. وجعلني -الخبر- أتمنى أمنية جميلة يتمناها كل مسلم يريد رقيًّا وازدهارًا للعالم الإسلامي، ويتطلع إلى أن تعود للمسلمين عظمتهم السالفة ومجدهم التليد..
كما أرجعني -الخبر- إلى الوراء.. إلى ماضي المسلمين المشرق المشرٌف، يوم كان فيه أسلافنا يصنعون الصنائع ويأتون بالمعجزات -بإذن الله وقدرته- في مثل هذه السن المبكرة سن ١٦ أو ١٧..، فقد كانوا يفتحون البلدان ويقودون الجيوش ويطوون الصحاري ويخوضون المعارك في مثل هذه السن.. التي يشغلها شباب اليوم باللعب والرياضة والنزهة والتطواف بالنوادي، والمشاركة في المباريات والبطولات..
فيروي تاريخنا المشرق أن محمد بن القاسم الثقافي فتح ذلك الفتح العظيم وعمره ١٧ سنة فقط، فقال الشاعر وهو يحيّي بطولته وخصاله المجيدة:
إن السماحة والمروءة والندى
لمحمد بن القاسم بن محمد
ساس الجيوش لسبع عشرة حجة
يا قرب ذلك سؤددا من مولد
وإنها -والله- مأثرة تستحق الافتخار والاعتزاز بها..
وتلك وأمثالها.. من الصنائع والأمجاد والمفاخر والمآثر.. هي التي تخلٌد ذكر أصحابها، وتحفر أسماءهم في جبين التاريخ، وتحفظ صنائعهم في ذاكرة الدهر، وهي التي جعلت ماضينا عظيمًا نعتز به.. ولا تزال ترفع رؤوسنا شرفًا وفخرًا واعتززًا..
أما الأمنية التي خطرت في قلبي بقراءة هذا الخبر..، فهي أن: كلمة (أصغر) (١) من هذا الخبر جعلتني أتمنى وأحلم بـ: (أكبر) في مجالات أهم وأعظم..:
فيا ليتنا نسمع خبرًا يأتينا من بلد عربي أو إسلامي فلاني أن فيه أكبر عالم (scientist) يشار إليه بالبنان، أو في بلد كذا أكبر مهندس مسلم لا يوجد له نظير في العالم كله.
نعم. نتمنى لو يأتينا خبر يبشرنا بأن في البلد الفلاني المسلم عددًا مشرٌفًا من المخترعين المهرة ومن صانعي الآلات الدقيقة والبارعين في التكنولوجيا المتطورة الحاضرة، التي لا يمكن الرقي والازدهار -في عالم اليوم- إلا بالتمكن منها والبراعة فيها.
بل صرنا -مع الأسف- نفتخر بأن عندنا أكبر مبنى في العالم كله، أو أجمل متحف، أو أضخم فندق..
إن (الأكبر) أو (الأحدث) أو(الأضخم) أو (الأروع) أو (الأجمل) في مجال “البناء الطيني”.. في مجال الطوب والحجارة.. يا أمتنا! ليس مما يُعتز به، ولا يرفع قامتنا ولا يعلي قدنا أو قدرنا في دنيا اليوم..
لا يسعدنا ذلك -والله- ولا يزيدنا شرفًا في ميزان العالم فضلًا عن الآخرة.. ولا يحل مشاكلنا!
وإنما الشيء الذي له قيمته وأهميته.. ويُعزٌُنا: هو البناء المعنوي.. البناء الإنساني.. البناء الحضاري.. وما يُعتبر: “أنفعَ” في بناء الإنسانية وصالح البشرية.. وهو -الأنفع- المطلوب المنشود، وهو الشيء الوحيد الذي ينقصنا.. وهو الأبقى.. والأعلى قيمة وأرفع قدرًا.. والبقاء للأصلح.. والعزة للأنفع.. {أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.
وقد صار عنوان العصر: (الأسرع يدوس الأبطأ).. بدلًا من: (القوي يأكل الضعيف).. وإن كانت النتيجة واحدة..
هذا. وقد صدق من قال: إن العالم الإسلامي مليء بالذكور.. أما الرجال فلا..
ورحم الله القائل: “الرجل إذا صحت رجولته فإنه يستطيع أن يبني أمة بكاملها”.
نعم. إن العالم الإسلامي لا يحتاج إلى شيء بمثل ما يحتاج إلى الرجال.. إلى العباقرة والنوابغ في علوم الدين والدنيا، الجامعين بين الأصالة والمعاصرة، وبدون ذلك لا يستطيع أن يصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، وبدون الاكتفاء الذاتي لا يمكن أن يقوم بأعبائه كاملة، أو يستغني عن الغير..، ولا يحقق مجدًا يتطلع إليه، أو ينتصر في رهان الحياة، أو يتبوأ مكانه على منصة العالم.
فلنركز على: (الأنفع الأبقى)، ولنصم -مدة- عن الفضوليات والكماليات، والموضات والتقليعات، ولنتجه إلى بناء الذات!
(١) على أن (أصغر) هنا له من الأهمية والمعنوية ما قد لا يكون لـ(أكبر) في كثير من الحالات والمجالات في بعض الأحيان.
(السبت: ٨ من شوال ١٤٤٧ھ = ٢٨ من مارس -آذار- ٢٠٢٦ م)







