في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الشعوب، تقف الجيوش على مفترق طرق: إما أن تظل درعًا يحمي الوطن والمواطن، أو أن تنزلق إلى موقع الخصومة مع الشعب، حين يُطلَب منها قمعه بدلاً من حمايته. وفي كل مرة يقرّر فيها قادة جيشٍ ما أن يوجّهوا السلاح إلى صدور مواطنيهم، بدافع الخلافات السياسية أو الانحياز لسلطة، يُحدِث ذلك شرخًا غائرًا في العلاقة بين الشعب ومؤسسة يُفترض أنها جزءٌ منه، وليست فوقه.
إن الجيوش لا تُبنَى فقط على العتاد والانضباط، بل على الثقة المتبادلة بينها وبين الشعوب. هذه الثقة تُهدم فورًا حين تُطلَق الرصاصات، لا على عدو خارجي، بل على المتظاهرين والمطالبين بحق، أو حتى المختلفين في الرأي. فبدلاً من أن تكون درعًا للوطن، تُصبح في نظر الكثيرين أداة قمع ووسيلة ترهيب، ويُسجَّل ذلك في سجل التاريخ كنقطة سوداء يصعب محوها.
التجربة التاريخية، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تؤكد أن العنف السياسي الداخلي باستخدام القوة المسلحة لا يحسم خلافًا، بل يفاقمه، ويزرع بذور الكراهية وعدم الثقة لأجيال قادمة. الجيوش التي أطلقت النار على شعوبها، خسرت احترامهم وإن طال بقاؤها في السلطة، لأن الكرامة المهدورة لا تُنسى بسهولة، والدم لا يجف من ذاكرة الأمم.
يبقى الجُرم مضاعفًا حين يكون السبب سياسيًا بحتًا؛ فالأدوار الوظيفية للمؤسسة العسكرية يجب أن تبقى واضحة: حماية الحدود، السيادة، والاستقرار الوطني، لا حماية مشروعٍ سياسي أو رئيس أو سلطة مؤقتة.
لذلك، فإن الرصاصة التي تخرج من بندقية الجيش في اتجاه المواطن، لا تقتل شخصًا فقط، بل تقتل روح الانتماء والاحترام المتبادل، وتترك جرحًا في وجدان الوطن لا تداويه بيانات التبرير، ولا يُرممه صمت الخوف.
(محمود جمال باحث ومحلل في الشؤون العسكرية والاستراتيجية)


