لا أحدَ من البشر فوقَ الخطأ. كلُّ ابن آدم خطَّاء وخيرُ الخطائين التوابون. استمراءُ المعاصي قد يقودك إلى افتضاح أمرك على رؤوس الأشهاد؛ بعدما يكون سِتر الله قد خاصمك..فاحذر!
اعلم أنَّ الناسَ إذا أُعجبوا بك, فإنما أُعجبوا بجمِيلِ سِتر الله عليك. سِترُ الله يحجبُ عنك عيونَ الناس الزائغة، وضمائرَهم الهشَّة..فلا تغتَّر.
أخلِص لله قدرَ استطاعتك؛ حتى لا ينزعَ عنك سِتره. عندما يحدث هذا فلا تلومنَّ إلا نفسَك الأمَّارة بالسُّوء.
يظلَ العبدُ بخير طالما لا يزالُ اللهُ يسترُه. زوالُ الستر إنذارٌ باستنفاد الفرص وانتهاء الرصيد لدي السَّتار وسوء العاقبة والمنقلب والمصير..فانتبه.
استروا أنفسَكم بالدوام على مراجعة النفس والتوبة إلى الله والتعهد بالإقلاع عن المعصية، صغيرةً كانت أو كبيرةً. زوالُ الستر أشبه بـ”قيامة صغرى”، يتمنى المفضوح يومئذ بأن تبتلعه الأرض أو يقبضه الموت، ويغدو نسيًا منسيًا.
اعمل لمثل هذه اللحظة دومًا. لا تظن أنك –مهما مكرت وتماكرت- في مأمَن من يد الله الذي يتدخل في اللحظات الحاسمة. لا تغتر بسِتر الله عليك؛ فإن له يومًا يهتك فيه الأستار.. فلا تمكر!
قال الله تعالى في سورة “لقمان”: “وَأَسبَغَ عَلَيكم نِعَمَهُ ظَاهرَةً وبَاطنَةً”، و”النعمة الباطنة” هي نعمة السِتر الجميل، حتى جعله لباسًا يُواري عورة ابن آدم وعيبَه، كما قال في سورة “الأعراف”: “يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوآتِكُم وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ ذَلِكَ مِن آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ”.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “للعبد سِتران: سِترٌ بينه وبين ربه، وآخر بينه وبين الخَلق، فمَن هَتك السِتر الذي بينه وبين الله، هتكَ الله سِتره بين الخلق”. التوبة الصادقة أعظم أسلحة العبد لضمان سِتر الله حتى النهاية..فارجع.
جاء في الأثر أن موسى عليه السلام خرج يومًا يستسقي، فلم يرَ في السماء سحابة واشتدَّ الحرُّ، فقال موسى: “يا رب، اللهم إنا نسألك الغيث فاسقِنا”، فقال الله جل وعلا: “يا موسى، إن فيكم عبدًا يُبارزني بالذنوب أربعين عامًا، فصِح في القوم ونادِ إلى العباد: الذي بارز ربه بالذنوب والمعاصي أربعين عامًا أن اخُرج”، فقال موسى: “يا رب، القومُ كثيرٌ، والصوتُ ضعيفٌ، فكيف يبلغُهم النداء”؟ فقال الله: “يا موسى، قل أنت، وعلينا البلاغ”، فنادى موسى بما استطاع، وبلغ الصوتُ جميع السامعين الحاضرين، فما كان من ذلك العبد العاصي الذي علم أنه المقصودُ بالخطاب المرقوم في الكتاب أنه ينادي بعينه بين الخلائق، فلو خرج من بين الجموع، عُرف وهُتِك ستره، وانفضحت سريرتُه وكُشفت خبيئته، فما كان منه إلا أن أطرق برأسه، وأدخل رأسه في جيب درعه أو قميصه، وقال: “يا رب، اللهم إني أتوبُ إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني”، فما لبث موسى ومَن معه إلا أن أظلَّهم الغَيم، وانفتحت السماء بمطر كأفواه القِرَب، فقال موسى: “يا رب، سقيتنا وأغثتنا ولم يخرج منا أحد”، فقال الله: “يا موسى، إن مَن منعتكم السُّقيا به تاب، وسألني وأعطيتُه وسقيتُكم بعده”، فقال موسى: “يا رب، أرني ذلك الرجل”، فقال الله جل وعلا: “يا موسى، سترتُه أربعين عامًا وهو يعصيني، أفَأفضحُه وقد تاب إليَّ وبين يديَّ”؟


