أزمة وزير الثقافة المصرية (الـمُستقَالة) وليس (الـمُستقيلة) بملابساتها وأسرارها وتداعياتها تقودنا إلى أزمة أخرى مشابهة جرى التعميم عليها قبل نحو أربعة عشر عامًا، وكان البطل فيها وزيرًا أيضًا..إنه لأمر عجيب جدًا، رغم أنه ليس من مسوغات انتزاع المناصب الوزارية إجادة القراءة والكتابة من الأساس، وليس تأليف الكتب والروايات!!
بعيدًا عن المقدمات الطويلة وأجواء التشويق والإثارة..نلج مباشرة إلى الموضوع من خلال الاطلاع على مذكرات منسوبة إلى وزير الأوقاف الأسبق الدكتور محمود حمدي زقزوق الذي جرى استوزاره بين عامي 1995-2011. المذكرات مُعنونة بـ”رحلة حياة”، وما ننقله خلال هذا المقال مذكورٌ نصَا بين صفحتي 189-195، لمن أراد الاستزادة والاستيثاق والاستبيان!
الوزير الراحل المشهود له بالصدق والاحترام والوقار كتب في صفحة مُعنونة بـ” سؤال بريء”: “وفي النهاية لديّ سؤال بريء أوجهه إلى كل من: الدكتور عبدالفضيل (القوصي-جرى استوزاره أيضًا لمدة عام بين 20211-2012) والدكتور مختار جمعة، وأترك الإجابة عنه لضميريهما: هل لو كنتما في مكاني، وجاء أحد من زملائكما واستولى على جهدكما العلمي، ونسبَه لنفسه، ومحا اسميكما تمامًا كما حدث معي.. هل ستكونان سعيدين بذلك وتتوجهان له بالتهنئة؟ أم ستغضبان ويدافع كل منكما عن جهده بكل الوسائل”؟
يكمل الوزير كلماته الغاضبة: “أيًا كانت إجابتكما عن ذلك، فالله هو الحكم العدل بيني وبينكما يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم”، متسائلاً في مرارة: “الأمر المثير للغرابة حقًا أنكما تفتعلان خصومة وعداوة وكراهية للتمويه والتغطية على ما ارتكبتما في حقي، وأنتما السبب ولست أنا! فأنتما الجانيان وأنا المجني عليه، فلماذا تريدان قلب الحقائق؟ ولماذا لا تعترفان بالحقيقة حتى وإن كانت مرّة؟ أليس الرجوع إلى الحق فضيلة”؟
يوجه الوزير المكلوم سؤاله للوزير السابق: “وأسأل الدكتور مختار جمعة: هل ما حكم به مجمع البحوث الإسلامية – وأنت عضو فيه – بإعادة الوضع إلى ما كان عليه في الموسوعات والترجمات، يعني مجرد لصق ورقة باسمي على الموسوعات والترجمات – (وهذا أمر لم أعلم به على هذا النحو إلا بعد شهور عديدة) – على أمل أن محمود زقزوق لو مات غدًا (وهذا أمر وارد) فإن من السهل نزع الورقة وعودة اسم الدكتور مختار جمعة ليكون هو صاحب مشروع الموسوعات والترجمات بلا منازع”؟!
يستطرد الوزير الجليل –رحمه الله-: “هل نسيتما أن الله مُطّلع على كل شيء وهو الذي سيحكم بيننا جميعًا يوم القيامة؟ ولماذا تظل موسوعة الأخلاق الإسلامية باسم الدكتور عبد الفضيل وهو أول من يعلم أنها جهدي العلمي، وأنها جزء من مشروعي الذي أشرفت عليه من البداية حتى النهاية؟ وقد راجعها قبل أن يأتي إلى الوزارة وأخبرني بنفسه بأنها سليمة تمامًا”، متابعًا: “ولماذا يا دكتور مختار تصر على أنك صاحب موسوعة التاريخ الإسلامي الأوحد، ولم تشر مجرد إشارة إلى أنها جزء من مشروعي العلمي ويحمل رقم 12 في هذا المشروع، فأنا الذي خططتُ لها، ورسمتُ لها المنهج الذي تسير عليه، وعيَّنتُ اللجنة التي تتولى التنفيذ والمتابعة، في التوقيت ذاته مع موسوعة الأخلاق الإسلامية، وكان العمل يجري فيها على قدم وساق، قبل أن تأتي أنت إلى الوزارة…الأمر لله من قبل ومن بعد، وحسبي الله ونعم الوكيل”؟!
ورغم تدخلات شيخ الأزهر الشريف ومسؤولين آخرين، إلا إنه لم يتم إنصاف الدكتور “زقزوق”، ولم يتم إعادة الشيء إلى أصله، ولم يتم رفع الظلم عن المظلوم، وبقي الوضع على ما هو عليه، ويبدو أن الأخير لم يلجأ إلى القضاء، كما لجأت المؤلفة الأصلية للكتاب المنسوب لوزيرة الثقافة السابقة، مكتفيًا بالحسبنة والحوقلة.
الغريب أن الأمر لم يكن سرًا، وتداولته وسائل إعلام محلية وخارجية عدة، مدعومًا بصفحات من المذكرات. والأغرب أن المنقول في كتاب وزيرة الثقافة التي تم إبعادها لم يتجاوز 25% بحسب ما هو متداول، ولكن في واقعة وزيري الأوقاف فقد جرى السطو على كتاب بالكامل، دون الاستعانة بكاتب ظل، أو كاتب شبح، أو دوبلير نظير 500 يورو، كما جرى في الواقعة الأحدث، ورغم ذلك ظل أحدهما أحد عشر عامًا متصلة في منصبه، وليس 146 يومًا فقط!







