منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية واستلام الخميني مفاتيح الحكم في طهران برعاية غربية أمريكية، والمخططات الصهيونية تتقدم في إحراز نتائج عملية موضوعية في تدمير الدول العربية، وعلى تلك الأرضية يأتي التخادم الإيراني تارة مع الكيان الإسرائيلي، وتارةً مع الإدارات الأمريكية التي تُعَدُّ ذراعا متقدما للصهيوصليبية.
ورغم حجم التدمير الذي تحقق من خلال إيران وأذرعها، فطال الحواضر العربية والإسلامية بعد أن أحرق صروحها العلمية، وهدم مدنها، واحتلها، وقتل شعوبها، وشرّد أجيالها، وأعدم علماءها خلال فترته التي امتدت من عام 1980 وحتى عامنا هذا 2026؛ إلا أن هناك اضطرابا في المشهد العربي والإسلامي حول الموقف من إيران، بخلاف الموقف الواضح تجاه الصهيونية.
والسؤال يقول:
لماذا ينسجم العالم العربي والإسلامي في رؤيته وموقفه من الصهيونية، فيما يتشرذم ويتصدع بسبب خلافه وتمايزه في رؤيته وموقفه تجاه المشروع الإيراني؟
الجواب:
إن سبب الفتنة التي حلّت في العقول والمواقف والقلوب هو السحر الذي صنعه كاهنُ ولايةِ الفقيه عندما سرق الخاتم والجوهرة -القضية الفلسطينية- ووضعها في إصبعه، وبدأ يشير بيده إلى الناس والخاتمُ الجوهرةُ يتلألأ ببريقه أمام الجماهير فيسحرهم. إنها جوهرة فلسطين الساحرة التي تلقفها الخميني وأشار لأعوانه ورفاق دربه بضرورة تبنّي فلسطين والإبقاء عليها في حضن الملالي شرطًا لبقاء وحياة وفاعلية الثورة الإيرانية.
الموقف الفلسطيني عار ومنعرج تاريخي!
لم تكن خطة الخميني باختطاف القضية الفلسطينية -مهما ادعى ولاءها ونصرتها وحبها- أن تنجح، لولا مواقف القيادات الفلسطينية المقاومة التي جسدت واقعًا جهاديًا موضوعيًا في الضفة وغزة.
إن حجم الكفر والضلال في الهوية العقدية والفقهية لمشروع ولاية الفقيه كافٍ وحده لاصطفاف جميع المسلمين ضد المشروع الإيراني الذي انتهك مقدساتهم وهدم مساجدهم وأحرق مصاحفهم ولعن أم المؤمنين وكفّر الصحابة المعدّلين بنص القرآن الكريم، ثم ما فتئ يُعدم علماء ودعاة المسلمين وينحر حفظة كتاب الله.
والسؤال يقول:
لماذا لم يكن ظلم وبطش واعتداء وكفر مشروع ولاية الفقيه الإيراني كافيا لتوحيد الموقف العربي والإسلامي رغم وضوح تدنيسه للدين الإسلامي قرآنا وسنة؟
الجواب:
إن موقف جلّ قيادات حركة المقاومة الإسلامية حماس تجاه ملالي وقيادات إيران قد سبّب ضلالًا للأمة وأضعف موقفها الشرعي ووضع دين الأمة على جهة متناقضة مع سياساتها، وهو ما لم يُصحَّح ويُقوَّم من قبل العلماء حتى اللحظة الراهنة. فهل يدرك من بقي حيًّا من القيادات الفلسطينية حجم الأمانة في نقل الرسالة قبل أن يلقوا ربهم فيُحاسَبوا حسابًا عسيرا يوم القيامة؟
المنظومة والبنية الإيرانية بين التخادم والتعاون!
لعل نقطة القتال بين إسرائيل وإيران على مستوى الخطاب عمومًا، وعلى مستوى القذائف مؤخرًا -بعد هلاك غزة- تُغبِّش الصورة والرؤية.
إن التصور بين المشروع الصهيوني ومشروع ولاية الفقيه الإيراني قد شكّل أرضية انسجام بينهما، الأمر الذي انعكس عمليًا في أشكال من التخادم والتعاون بين إيران وأمريكا.
بنية النظام الإيراني مقسومة بين التخادم والتعاون!
إن الخلل في إيران ليس اختراقا ولا تجسسًا؛ فهذا تبسيط وتسطيح للمسألة.
فمنذ لحظة تشكل بنية النظام الإيراني ولاية الفقيه بعد حلوله حاكمًا في طهران برعاية أمريكية –استبعدت وتخلصت من الشيوعيين– تشكل الخلل في بنية النظام الإيراني حيث انقسم إلى فريقين رئيسيين:
1- أولهما الشق المبدئي -الراديكالي- الذي يرى ضرورة التخادم مع أمريكا لتحقيق هدف مشترك بينهما، هو تدمير البلاد العربية وتفقير شعوبها وتشويه هويتها الثقافية ومسخها، سعيًا لتحقيق نفوذ إقليمي وانتشار دولي.
2- ثانيهما الشق غير المبدئي ولا الرسالي، وهو المتماهي مع الصهيونية في تحقيق أهدافها، مذعن لها مقابل تموضعه في السلطة.
إن حجم الاختراق في النظام الإيراني لم يأتِ نتيجة اختراق بسيط تتعرض له جميع الدول، وإنما جاء نتيجة خلل بنيوي بين فريقين يلبسان نفس العمم.
حيوية وأهمية إيران الملالي للمشروع الصهيوني!
إن الالتقاء بين المشروع الإيراني والصهيوني أكسب إيران نجاعة في التخريب والهدم في حالتي السلم والحرب.
يمكن للمتفحص النزيه أن يرى بوضوح كيف استفادت الصهيونية العالمية من إيران في حالة السلم بينها وبين أذرعها وأدواتها في المنطقة، فدُمِّر العراق العظيم، وأُحرِق الشام الكريم، وتفتت اليمن الأصيل.
كما يمكن للباحث المتجرد عن عاطفة الغوغاء أن يستشرف ويرى اليوم بوضوح موضوعي كيف استفادت الصهيونية العالمية من إيران وهي في حالة حرب مع أدواتها الأخرى الفاعلة في الإقليم، من أجل العبث بكامل الخليج العربي نحو تدميره كما العراق والشام لا سمح الله.
أفلا يوجب هذا إعادة النظر ومراجعة وتوبة سياسية صادقة؟


