لم يعد ممكنًا تجاهل القصور الواضح في الرؤى السياسية لدى شريحة من القيادات الإسلامية، سواء الدعوية أو الحركية أو الجهادية. هذا القصور لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة تستدعي التوقف الجاد وطرح الأسئلة الصعبة حول أسبابها ومآلاتها.
بعيدًا عن الخوض في العوامل الموضوعية المعقدة — وعلى رأسها ارتباط بعض الحركات بأنظمة قائمة أو مشاريع متعارضة أو حتى أجهزة أمنية — وهي عوامل تحتاج إلى تحقيق وتدقيق، فإن هناك أسبابًا ذاتية لا تخطئها العين، لأنها حاضرة في الخطاب والممارسة معًا.
في مقدمة هذه الأسباب، يأتي الفقر في الثقافة السياسية، حيث تبدو كثير من المواقف وكأنها ردود أفعال آنية لا تستند إلى فهم عميق لتعقيدات الواقع. يضاف إلى ذلك العصبية الحزبية التي تحوّل الاختلاف إلى صراع، وتقدّم الانتماء التنظيمي على المصلحة العامة. أما العامل الثالث، فهو الانغلاق الفقهي، الذي يحاصر التفكير ضمن أطر ضيقة، ويعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة.
هذه العوامل مجتمعة تفسر قدرًا كبيرًا من الارتباك في المواقف، والتناقض في السلوك السياسي، بل وأحيانًا السقوط في أخطاء استراتيجية مكلفة.
في المقابل، يظهر نموذج آخر من الإسلاميين، يتقن ما يمكن تسميته بـ”الإنجازات الوهمية”، عبر براغماتية مفرطة تتجاوز الضوابط الشرعية، وتعيد تعريف الأولويات بشكل يبتعد عن مفهوم الأمة الجامعة. هنا تتحول القطرية من إطار إداري إلى هوية ضيقة، يُعاد على أساسها تحديد المواقف، بل وحتى الأحكام، بمعزل عن واقع الأمة الأوسع.
بين هذين النموذجين، تضيع البوصلة.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن تجاوز هذا الواقع؟
الإجابة تبدأ من الحد الأدنى الممكن: فتح قنوات الحوار بين الإسلاميين أنفسهم. فالمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه الأطراف تجلس وتتحاور مع خصومها السياسيين والفكريين، لكنها تعجز عن الجلوس مع شركائها في المرجعية.
الحوار الداخلي ليس ترفًا، بل ضرورة. وهو المدخل الطبيعي لنقد المسارات، وتصحيح الأخطاء، وبناء رؤية أكثر تماسكًا ونضجًا.
في عالم تتقاطع فيه المشاريع المتناقضة عندما تتعلق مصالحها، تبدو الحاجة إلى حد أدنى من التنسيق والتفاهم بين الفاعلين الإسلاميين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ليس بالضرورة توحيدًا كاملاً، بل على الأقل بناء مساحات مشتركة للفهم والعمل.
إن النضج السياسي لا يولد في بيئة مغلقة، بل في فضاء مفتوح للنقد والمراجعة والتفاعل.
وبغير ذلك، سيبقى المشهد يدور في حلقة من التكرار، حيث تُعاد الأخطاء نفسها، وتُدفع كلفتها من رصيد الشعوب والدول.
مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 8/4/2026







