في تحول دراماتيكي يعيد رسم موازين القوى في سوق الطاقة العالمي، أطلقت موسكو “بالون اختبار” سياسي واقتصادي تجاه بروكسل، حيث أعلن الكرملين عن استعداد روسيا لاستئناف تزويد دول الاتحاد الأوروبي بالغاز الطبيعي، ولكن بشروط تفرضها خارطة الطلب الجديد.
ووفقاً لتصريحات المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، التي نقلتها وكالة “تاس”، فإن تدفق الغاز الروسي نحو الغرب يظل خياراً مطروحاً “فقط في حال تبقي كميات فائضة” بعد إشباع احتياجات الأسواق البديلة التي وصفها بأنها “متعطشة للغاية” وتشهد طلباً قياسياً يتجاوز المعروض الحالي.
وتأتي هذه المناورة الروسية في وقت يعيش فيه أمن الطاقة الأوروبي حالة من “الانكشاف الاستراتيجي”، حيث قفزت أسعار الغاز في القارة بنسبة ناهزت 60% منذ اندلاع التوترات الجيوسياسية الأخيرة، ليتجاوز مؤشر “TTF” القياسي حاجز الـ 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
ورغم إشارة بيسكوف إلى أن أوروبا باتت تمتلك بنية تحتية ومصانع تسييل تتيح لها الاكتفاء عبر “السوق الفورية”، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تآكل حاد في المخزونات التي انخفضت إلى مستويات حرجة بلغت 30% فقط بعد شتاء قارس، مما يجعل القارة العجوز في مواجهة مباشرة مع منافسة آسيوية شرسة على شحنات الغاز المسال “LNG”.
ويرى المحللون الاقتصاديون في الصحف الدولية مثل “الدياريو” الإسبانية، أن الضغوط الحالية دفعت البنك المركزي الأوروبي إلى دخول مرحلة “إدارة الأزمات”؛ إذ اضطر لتعديل توقعات التضخم لعام 2026 لتصل إلى 2.6%، بالتزامن مع خفض سقف الطموحات بشأن النمو الاقتصادي إلى 0.9%.
هذا المشهد القاتم يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريو “الركود التضخمي” الذي يهدد قاطرات الاقتصاد الأوروبي مثل ألمانيا وإيطاليا، خاصة مع تراجع مستويات التخزين إلى نحو 46 مليار متر مكعب فقط، وهو رقم يقل بكثير عن مستويات عام 2024 التي تجاوزت 77 ملياراً.
وهذا يسحب “وسادة الأمان” التي كانت تعتمد عليها أوروبا في مواجهة الصدمات السعرية.


