يرسم المشهد الحالي في مضيق هرمز صورة مغايرة تماماً لما تحاول الإدارة الأميركية ترويجه، فبينما يخرج الرئيس ترامب ليعلن تدمير القوة البحرية الإيرانية، يأتي الواقع الميداني ليفند هذه الادعاءات عبر استهداف مستمر للسفن العابرة.
إن عجز رئاسة الأركان الأميركية عن تحريك قطع بحرية لحماية السفن الدولية، رغم الوعود المتكررة، وضع واشنطن في موقف “العاجز” أمام العالم.
ويشير تحليل الأرقام إلى أن المصداقية الأميركية باتت على المحك، خاصة مع رصد آلاف الأكاذيب خلال الولاية الأولى لترامب، وهو ما يجعل الرواية الإيرانية حول السيطرة الميدانية أكثر تماسكاً في ظل قفزات أسعار النفط التي تهدد بتجاوز حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل، مما ينذر بكارثة اقتصادية عالمية نتيجة الصمت الدولي على “الجنون الأميركي”.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير نشرتها وكالة “رويترز” (Reuters) نقلاً عن خبراء عسكريين، أن “حرب الناقلات” والتحرش البحري في المضيق كشفا عن حدود القوة التقليدية الأميركية في مواجهة “الحرب غير المتناظرة” التي تبرع فيها طهران، حيث يصعب على المدمرات الضخمة التعامل مع الزوارق السريعة والألغام المبتكرة، حسبما ذكرت الوكالة.
فخ التوريط ومحاولات الاستجداء العسكري من الخصوم
تبدو الإستراتيجية الأميركية الحالية “مهزوزة” وهي تحاول لأول مرة طلب دعم عسكري من قوى دولية مثل الصين واليابان وفرنسا وبريطانيا لحماية شحن النفط.
والمفارقة تكمن في استجداء ترامب للصين، حليف إيران القوي، لتتواجد عسكرياً في ممر مائي يسيطر على 20% من تجارة العالم، وهو ما يمنح بكين فرصة ذهبية للتحول إلى قوة عسكرية عالمية موثوقة دون إطلاق رصاصة واحدة.
هذا التخبط – وفقا لوصف الباحث السياسى المصرى عبده فايد – يضرب الهدف الإستراتيجي الأميركي في مقتل؛ فبدلاً من حصار الصين في بحرها الجنوبي، يفتح لها ترامب أبواب المياه الدافئة هرباً من الضربات الإيرانية، مما ينهي أسطورة القوة العسكرية التي لا تُقهر ويستبدلها بصورة “الجرذ” الذي يختبئ خلف الأساطيل الأخرى.
ويذهب خبراء في صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) إلى أن محاولة واشنطن تشكيل تحالف دولي (سنتينل) كانت تهدف بالأساس لتوزيع “كلفة المواجهة” وشرعنة أي عمل عسكري قادم، إلا أن تحفظ الحلفاء عكس عدم ثقتهم في المندفع الأميركي.
مخاطر الغزو البري وجغرافيا الموت في جزيرة قشم
مع فشل الحلول الدبلوماسية والردع البحري، يبرز السيناريو الأخير والأكثر دموية؛ وهو الزج بنخبة “المارينز” في مواجهة برية.
استدعاء الوحدة 31 برمائية وسرب طائرات F-35 ليس مجرد استعراض قوة، بل هو مؤشر على نية غزو الأراضي الإيرانية المطلة على المضيق، وتحديداً جزيرة “قشم”.
لكن هذا التحرك هو “الحلم الإيراني” بعينه، حيث يتم جر الجنود الأميركيين إلى جغرافيا يعرفها المقاتل العقائدي جيداً.
إن أي نجاح أميركي في الأيام الأولى للغزو سيتلاشى سريعاً أمام آلاف المتطوعين من الحرس والباسيج المسلحين بقاذفات (RPG)، والذين استطاعوا سابقاً اختراق الحصون الأميركية في الخليج واستهداف السفارات والقواعد العسكرية رغم وجود منظومات “الثاد” و”الباتريوت”.
وقد حذر محللون في مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) من أن “الغطرسة العسكرية” قد تتجاهل حقيقة أن إيران تمتلك أعمق ترسانة صواريخ وطائرات مسيرة في الشرق الأوسط، وأن أي محاولة للسيطرة على الأرض ستتحول إلى استنزاف طويل الأمد يفوق ما حدث في العراق وأفغانستان.
رسائل “خرمشهر” وسقوط أوهام الأمان الأميركي
ويستكمل الباحث المصرى: ” لم يكن إغلاق المضيق مجرد عمل عسكري، بل كان رسالة مشفرة لكل بيت في العالم بأن الأمان المرتبط بالهيمنة الأميركية هو مجرد وهم”.
لقد اختبرت إيران قوة الردع لديها بقصف القواعد الأميركية في كل شبر، وصولاً إلى استهداف العمق الإستراتيجي في دول الجوار.
والعالم يتعلم اليوم بالطريقة الصعبة أن السيادة العالمية للإمبراطورية الأميركية لها حدود جغرافية وبشرية لا يمكن تجاوزها.
ويضيف: ” إيران، التي تعرضت للخيانة بعد اتفاق 2015، قررت أنه لا أمان للعالم طالما حُرمت هي منه، مؤكدة أن حقائق الجغرافيا والمقاتل الذي ينتظر خلف لغمه وقاذفته هما من يكتبان السطر الأخير في هذه المواجهة، وليس الوعود الانتخابية لساكن البيت الأبيض”.


