واصل الذهب نزيفه السعري لليوم الثالث على التوالي، متأثراً بضربات جوية أمريكية جديدة استهدفت قاعدة عسكرية إيرانية؛ وهي الهجمات التي هددت بعرقلة محادثات السلام المرتقبة وأبقت على مخاوف التضخم العالمي في مستويات حرجة.
وسجل المعدن النفيس انخفاضاً بنسبة بلغت 1% ليصل إلى مستويات 4405 دولارات للأونصة، ليعمق بذلك خسائره بعد تراجع بنسبة 2.6\% خلال الجلستين السابقتين.
معضلة الفائدة المرتفعة وتآكل بريق الملاذ الآمن
كشفت التطورات الميدانية الأخيرة عن مأزق هيكلي يواجه الذهب؛ فبقاء أسعار الطاقة والنفط عند مستويات مرتفعة يغذي معدلات التضخم، مما يجبر المصارف المركزية العالمية على التخلي عن خطط التيسير النقدي السابقة لحرب إيران، والإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وبما أن الذهب أصل استثماري لا يدر عائداً أو فائدة دورية، فإن أداءه يتراجع تقليدياً في بيئة التشديد النقدي؛ حيث هبط بأكثر من 16% منذ اندلاع الصراع الإيراني في أواخر فبراير الماضي، زكأنه مسح معظم مكاسبه المحققة منذ مطلع العام الجاري.
الفيدرالي والتهديد برفع جديد
وفي الجانب التشريعي والنقدي، أطلقت ليزا كوك، عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تصريحات حازمة أكدت فيها أن مسار التضخم يتجه حالياً في “الاتجاه الخاطئ”، معلنة عن استعدادها الكامل للتصويت على رفع إضافي لأسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط السعرية الناتجة عن الصراع.
وشكل هذا ضغطاً فورياً على تعاملات الذهب الفورية التي انخفضت بنسبة 1.1% لتسجل 4404.89 دولار للأونصة بحلول التعاملات الصباحية في سنغافورة.
اهتزاز سردية الملاذ الآمن
أشار جاستن لين، استراتيجي الاستثمار في مؤسسة “غلوبال إكس إي تي إف إس أستراليا”، إلى تحول جذري في سلوك المستثمرين؛ مفسراً أن المتداولين بدأوا يفقدون ثقتهم التاريخية بسردية الذهب كملاذ آمن في أوقات الحروب.
وتوجه المستثمرون نحو أولويات استثمارية بديلة وأكثر جاذبية في الوقت الراهن، لا سيما مع الاستعداد لطروحات عامة أولية (IPOs) -اكتتابات عامة – ضخمة ومرتقبة في الأسواق العالمية، تتقدمها شركة “سي إكس إم تي” في آسيا، وعملاق الفضاء “سبيس إكس” في الولايات المتحدة.
النطاق السعري المرتقب والمعادن المصاحبة
توقع المحللون الفنيون أن يواصل المعدن الأصفر البحث عن مستويات دعم جديدة تتراوح في نطاق 4000 إلى 4250 دولاراً للأونصة، طالما بقيت أسعار النفط الخام تتداول عند مستوياتها المرتفعة.
ولم يقتصر التراجع على الذهب وحده، بل امتد ليشمل المعادن الثمينة الأخرى؛ حيث تراجعت الفضة بنسبة 2% لتصل إلى 73.19 دولار، بالتزامن مع هبوط جماعي لأسعار البلاتين والبلاديوم، بينما سجل مؤشر “بلومبرغ” للدولار الفوري -الذي يقيس أداء العملة الأمريكية- ارتفاعاً بنسبة 0.1\%.
شرخ القوانين التقليدية
إيران أحدثت شرخاً في القوانين التقليدية للأسواق؛ فالذهب الذي صعد تاريخياً مع دوي المدافع، يسقط اليوم تحت مقصلة “التضخم النفطي” وعناد الاحتياطي الفيدرالي المتمسك بأسعار فائدة مرتفعة.
ومع تراجع المعدن الأصفر بنسبة 16\% وبروز بدائل استثمارية عالية الجاذبية كطروحات “سبيس إكس”، فإن جاذبية الملاذات الآمنة التقليدية باتت تخضع لإعادة هيكلة شاملة.
يضع ذلك الذهب في رحلة هبوطية للبحث عن قاع مستقر حول 4000 دولار، ما لم تحمل القنوات الدبلوماسية انفراجة مفاجئة تخفض أسعار الطاقة وتعيد صياغة أولويات الصناديق الاستثمارية الدولية.


