لم تعد المواجهة بين المملكة العربية السعودية وإيران الإسلامية تُقرأ فقط من زاوية الصراع الثنائي بين دولتين تنافستا تاريخياً على النفوذ والمكانة في الخليج والمنطقة.
هذا التنافس، الذي كان هادئاً ومحدوداً في بعض مراحله، تحول إثرَ الثورة الإيرانية عام 1979 إلى نزاع تداخلت فيه اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية والشرعية الدينية والأيديولوجيا والتحالفات الإقليمية.
لكن التطورات العسكرية الأخيرة أعادت طرح سؤال أوسع وأكثر أهمية: ماذا لو اعادت المظلة الأمنية الأميركية التقليدي تعريف حضورها أو تعديل التزاماتها؟
هنا تكمن المسألة الأساسية.
إيران، تعلم ان قوتها العسكرية والصاروخية وشبكة حلفائها (الأذرع)، لا يمكن استخدامها إلى المدى الأقصى لفرض سيطرة مباشرة على دول الخليج.
لكن ورقتها الرابحة والخطرة في آن، امتلاكها القدرة على إقفال صمام النفط العالمي، وتعطيل خطوط الإمداد، ما يرفع كلفة الاستقرار الأمني.
ظهر ذلك بوضوح منذ بداية الحرب الاميركية-الإسرائيلية/ الإيرانية، ثُم مع تصاعد الهجمات الحوثية على أهداف ومصالح سعودية، والتقدم باتجاه باب المندب، بالتوازي مع تهديد البنية التحتية النفطية، لتصبح طرق الملاحة وسلاسل الإمداد أمام اختبار متزامن في البحر الأحمر والخليج العربي.
أتى العاشر من أيلول الحالي ليكون الاكثر دلالةّ، إذ طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعماً عسكرياً مباشراً ضد الحوثيين.
ووفق ما نُقِل، لم توافق واشنطن على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، مكتفية بتقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف.
ولم يتوقف الأمر عند الاتصال الهاتفي، إذ وصل قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى الرياض لبحث التطورات مع ولي العهد، في وقت كانت فيه الهجمات الحوثية تقترب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
المغزى هنا يتجاوز القرار العسكري الأميركي وفي هذه المواجهة تحديداً.
فعندما تطلب دولة بحجم السعودية، في لحظة تهديد مباشر لأمنها والممرات الاستراتيجية، تدخلاً عسكرياً من شريكها الأميركي، ثم تحصل بدلاً منه على دعم متواضع أو غير أساسي،
فذلك يشير إلى أن طبيعة المظلة الأمنية الأميركية آخذة في التغير دون تنسيق، حتى لو لم يتغير التحالف نفسه.
فالولايات المتحدة لم تنسحب من الخليج ولم تتخلَّ عن مصالحها، لكنها تبدو أكثر ميلاً إلى دعم الشركاء وتمكينهم من إدارة التهديدات الإقليمية بدلاً من تحمل المواجهة المباشرة نيابة عنهم. وهذا فارق استراتيجي لا ينبغي التقليل من أهميته.
في ظل هذا الواقع، يخطئ من يعتقد أن الخطر الإيراني قد يدفع السعودية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الاقتراب من إسرائيل على خلفية قدراتها العسكرية والاستخباراتية المتقدمة.
ورغم عدم إغلاقها الباب أمام فكرة إقامة علاقات من حيث المبدأ، إلا أنها ربطت الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع الرسمي بمسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين.
ولذلك بقيت المسألة بالنسبة إلى الرياض مرتبطة بمعادلة أوسع من الحساب الأمني المباشر.
هنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة:
إذ إن ازدياد التهديد الإيراني قد يرفع القيمة الأمنية المحتملة للتعاون مع إسرائيل، لكن في المقابل، بقاء القضية الفلسطينية بلا أفق سياسي مقنع يجعل الثبات السعودي برفض التطبيع السياسي الكامل أمراً مفروغاً منه.
كما أن المملكة لا تريد استبدال مظلة بأخرى. إذ لا تبدو راغبة في الخروج من المظلة الأميركية، بقدر ما تبحث عن هندسة أمنية جديدة تستطيع من خلالها توزيع المخاطر، تثبيت الضمانات، وبناء شبكة علاقات أمنية متعددة الأطراف.
زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة
في هذا السياق، تكتسب زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة يوم 15 الجاري ولقاء الرئيس السيسي دلالة تتجاوز بعدها الثنائي التقليدي.
في تأكيد على الترابط الأمني الاستراتيجي، وأهمية ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
بالتالي، عودة البُعد العربي إلى الحسابات الأمنية الخليجية، ليس بديلاً عن الشراكة الأميركية، وإنما كطبقة إضافية في شبكة الأمن التي تسعى الرياض إلى بنائها.
ثم ان التدخل الأميركي لم يطلب ولم يكن لمواجهة بحتة تدعم حليفًا او تنهِك خصمًا، بل في مواجهة تهدد موقعاً جغرافياً يلامس الأمن الوطني كما الإقليمي ومصالح الاقتصاد العالمي.
وبالرغم من محاولة استهداف العمق السعودي بالمسيرات الانقضاضية، بقيت الرسالة واحدة: المساعدة متاحة، لكن قيادة المعركة المباشرة تقع على عاتق الإقليم.
هذه أحد أهم المعطيات التي حفزت إعادة بناء الحسابات الاستراتيجية السعودية، في تنويع مصادر أمنها كخيار لا يقوم على العداء لإيران ولا على التحالف مع إسرائيل،
كما لا يعني تقليص الرهان تماماً على التحالف التقليدي مع واشنطن، بل الاتكاء على الشراكات المتعددة مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي.
لكن من المبكر اعتبار ذلك «نظاماً أمنياً جديداً» مكتمل الملامح.
مجموعة من المتغيرات
فما نشهده حتى الآن هو مجموعة من المتغيرات في الشراكات والاتصالات قد تتبلور في اتجاه جديد، أو تبقى مجرد أدوات للتكيف مع ظرف إقليمي استثنائي.
في أهمية اللحظة الحالية؛ السعودية دولة تمتلك وزناً استراتيجياً بموارد وقدرات وطموح إقليمي، لا تبحث عن حماية خارجية لكنها تدرك أن أمنها لا يمكن أن يبقى مرهوناً بإرادة قوة واحدة.
عليه ستلتقط الفرصة لإعادة تعريف موقعها، لا كطرف في نزاع، بل دولة تسعى إلى بناء توازن إقليمي جديد يحمي مصالحها الاستراتيجية دون تسليم قرارها الأمني بالكامل لأي محور.
وهنا تحديداً، قد تتبعها دول الخليج العربي في الانتقال من مرحلة الاحتماء بالمظلة إلى مرحلة المساهمة في صنعها بما يتناسب مع المتغيرات القادمة.







