تؤدي التحولات العميقة في بنية الأنظمة السياسية إلى إعادة صياغة الروابط الدبلوماسية للدول مع المنظمات الأممية والهيئات الرقابية الدولية؛ إذ يسهم إبداء الشفافية والتعاون التقني الفعال في استعادة مكانة الدول المتضررة وطي ملفات الإدانة التاريخية.
استرداد الحقوق
منحت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية سوريا كامل حقوق عضويتها مجدداً؛ وارجعت خطوتها لحدوث تبدل كبير في الظروف السياسية عقب زوال سلطة الرئيس البائد بشار الأسد، واتخاذ دمشق إجراءات ملموسة لإنهاء هذا الملف.
ظروف الانضمام
التحقت دمشق بالمنظمة الدولية في 13 سبتمبر 2013 كاشفة عن مخزونها السام لتدميره؛ وجاء الخطوة تحت ضغوط أمريكية وروسية مكثفة لدرء ضربات جوية غربية وشيكة هددت واشنطن وحلفاؤها بتوجيهها آنذاك.
مجازر دموية
تولدت الضغوط الدولية بعد اقتراف النظام السابق مجزرة كيميائية بالغة الدموية في المعضمية والغوطة الشرقية بـ 21 أغسطس 2013؛ والتي أودت بحياة ما يربو على 1400 مدني، بينهم مئات الأطفال والنساء.
بعثة تفتيش
تبنى مجلس الأمن على الإثر القرار رقم 2118، وشُكلت بعثة تفتيش مشتركة بين المنظمة والأمم المتحدة؛ وأنهت البعثة مهامها رسمياً في 19 أغسطس 2014، بعد تدمير المخزونات التي أعلن عنها النظام.
تعليق وتجميد
تبين لاحقاً اقتصار التدمير على المواقع المعلنة؛ إذ نفذت قوات الأسد هجمات لاحقة بالسارين والكلور في حلب وخان شيخون ودوما، مما دفع المنظمة في 21 أبريل 2021 لتعليق بعض حقوق سوريا.
أدلة الإدانة
تأسس قرار تجميد الامتيازات على أدلة قطعية أثبتت استخدام السلاح الكيميائي في هجمات استهدفت بلدة اللطامنة بحماة في مارس 2017؛ إضافة لهجوم آخر طال مدينة سراقب بمحافظة إدلب بفبراير 2018.
عهد جديد
أفضى سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 لترتيب علاقات السلطة الجديدة مع المنظمة؛ واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني وفداً أممياً برئاسة المدير العام فرناندو أرياس.
وشكلت زيارة أرياس في فبراير 2025 فرصة لانطلاقة جديدة تمهد لغلق الملف نهائياً؛ وتلاها زيارة الشيباني لمقر المنظمة في مارس 2025 مقراً بالتزامات بلاده الكاملة وموجهاً رسائل طمأنة للمجلس التنفيذي.
تقارير وزيارات
أصدرت الأمانة الفنية تقارير دورية شملت زيارة مواقع مشتبهة، وجمع وثائق، وأخذ عينات ومقابلات؛ وفعلت دمشق بعثتها بلاهاي في نوفمبر 2025، معينة محمد كتوب ممثلاً دائماً لها لدى المنظمة الدولية.
وأكدت المنظمة في بيانها إيفاء دمشق بالالتزامات المترتبة على معاهدة الحظر؛ مشيرة لتدابير ملموسة لتفكيك الترسانة السامة، وهو قرار حظي بدعم 67 دولة طرفاً، وحظي بترحيب واسع من وزارة الخارجية السورية.
ثقة دولية
اعتبرت الخارجية السورية القرار انعكاساً لثقة المجتمع الدولي بالتحول الراهن؛ ومجسداً لتأييد واسع لاستعادة دورها، معربة عن تقديرها لداعمي الخطوة لاسيما دولة قطر على جهودها الدبلوماسية في تحقيق التوافق.
ترحيب أممي
هنأ المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توماس براك سوريا بالخطوة واصفاً إياها بالتقدم الملحوظ؛ كما رحبت كندا ومكتب الممثل البريطاني الخاص بالقرار، مؤكدين دعمهم للتخلص الكامل والشفاف من البرنامج الكيميائي.
ويطوي القرار الأخير لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حقبة سوداء من العزلة الدولية التي فرضت على دمشق بسبب الانتهاكات السابقة.
إن إعلان استعادة الحقوق والامتيازات الكاملة بإجماع 67 دولة يعكس اعترافاً أممياً بالتحول الإستراتيجي الذي قاده الرئيس أحمد الشرع منذ مطلع عام 2025.
ويسهم ذلك في تعزيز قنوات التفاعل المسؤول للحكومة السورية الجديدة مع القوى الكبرى كواشنطن ولندن وأوتاوا، ويؤسس لعهد جديد من البناء الدبلوماسي القائم على الالتزام بالقانون الدولي ونزع الترسانات المحظورة بشكل قابل للتحقق.


