“غدًا، من سيحكم العالم؟” كتاب للمفكر والاقتصادي الفرنسي جاك آتال، صدر بالفرنسية للمرة الأولى عن دار فايار سنة 2011، ثم صدرت منه طبعات لاحقة، ويبلغ الكتاب في طبعته الفرنسية الأولى 418 صفحة، وفي طبعة الجيب 448 صفحة.
وتحمل النسخة العربية الظاهرة في الصورة ترجمة سونيا محمود نجا، ضمن سلسلة “عالم المعرفة”، وتحمل الرقم 2662.
والعنوان نفسه يختصر مأزق الكتاب كله، إذ لا يسأل آتال عن الدولة الأقوى عسكريًا فحسب، وإنما عن الجهة التي ستكون قادرة مستقبلًا على إدارة الأزمات العابرة للحدود، من الاقتصاد والمال إلى البيئة والهجرة والأمن والحروب.
مقدمة
ليست الأسئلة الكبرى في التاريخ هي تلك التي تبحث عن إجابة جاهزة، وإنما تلك التي تكشف أن العالم نفسه لم يعد يعرف إلى أين يمضي.
ومن هذا النوع يأتي سؤال جاك آتال: من سيحكم العالم غدًا.
ففي زمن كانت فيه الدولة القومية هي الوحدة الأساسية للقوة، ثم جاءت الإمبراطوريات، ثم القوى الاقتصادية والعسكرية الكبرى، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا، بعدما دخلت الشركات العملاقة، والأسواق المالية، والمؤسسات الدولية، وشبكات الجريمة، والتكنولوجيا، والمعلومات، في صناعة النفوذ العالمي.
ومن هنا لا يقدم آتال كتابًا تقليديًا في الجغرافيا السياسية، بل يحاول أن يقرأ حركة التاريخ نفسها، وأن يبحث عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه السلطة عندما تصبح المشكلات أكبر من قدرة الدول منفردة على التعامل معها.
والكتاب، في جوهره، لا يكتفي بالتنبؤ بمن ستكون له الغلبة بين الولايات المتحدة والصين والهند وأوروبا وغيرها، وإنما ينتهي إلى سؤال أعمق: هل يستطيع العالم أن يجد صيغة لحكم مشترك قبل أن تفرض الكوارث والحروب هذه الصيغة عليه.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينطلق آتال من فكرة أساسية مفادها أن العالم أصبح شبكة مترابطة من المصالح والمخاطر، وأن الدولة مهما بلغت قوتها لم تعد قادرة وحدها على السيطرة على الأزمات العالمية.
ولهذا يستعرض تحولات القوة عبر التاريخ، ويتوقف عند صعود الأمم والإمبراطوريات والأسواق والمؤسسات الدولية، ثم ينتقل إلى المستقبل ليتساءل عن الجهة التي يمكن أن تمتلك القدرة على إدارة العالم.
ويضع أمام القارئ مجموعة من المرشحين المحتملين، مثل الولايات المتحدة والصين والهند وأوروبا، إلى جانب مجموعة العشرين والأمم المتحدة والشركات متعددة الجنسيات، بل وحتى التنظيمات الإجرامية.
لكن النتيجة التي يدفع إليها الكتاب أكثر تعقيدًا من اختيار دولة بعينها، إذ يرى آتال أن العالم قد يكون مضطرًا في المستقبل إلى تطوير نوع من الحوكمة العالمية الديمقراطية، تتجاوز المصالح الضيقة للدول الكبرى وتتعامل مع مشكلات البشرية باعتبارها مشكلات مشتركة.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
من يحكم العالم؟
يبدأ السؤال من التاريخ، لأن السلطة العالمية لم تكن ثابتة يومًا.
فقد تعاقبت الإمبراطوريات والقوى الدينية والدول القومية والأسواق، وكل مرحلة كانت تنتج مركزًا جديدًا للنفوذ.
ومن خلال هذه الرحلة يحاول آتال إثبات أن النظام السياسي والاقتصادي العالمي ليس قدرًا نهائيًا، وإنما بناء تاريخي قابل للتغيير.
الولايات المتحدة وأزمة القوة الكبرى
يتوقف الكتاب عند الولايات المتحدة باعتبارها القوة الأبرز في النظام العالمي الحديث، لكنه يناقش في الوقت نفسه القيود التي تواجهها أي قوة عظمى.
فالقوة العسكرية لا تكفي وحدها لإدارة عالم تتشابك فيه الأسواق والاقتصادات والتكنولوجيا والموارد والمشكلات البيئية.
وهنا تظهر إحدى أفكار الكتاب الأساسية، وهي أن مفهوم القوة نفسه يتغير.
الصين والهند وصعود آسيا
يرى آتال أن صعود القوى الآسيوية يمثل أحد أبرز التحولات في ميزان القوة العالمي.
ولا يتعلق الأمر بالقوة العسكرية فقط، وإنما بالاقتصاد، وحجم السكان، والإنتاج، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء نفوذ طويل الأمد.
ومن ثم تصبح الصين والهند جزءًا أساسيًا من أي محاولة لاستشراف شكل العالم المقبل.
أوروبا ومأزق الوحدة
يتناول الكتاب أوروبا بوصفها تجربة تاريخية فريدة في محاولة تجاوز الصراعات القومية عبر مشروع مؤسسي مشترك.
لكن المشروع الأوروبي يظل أمام اختبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية تجعل قدرته على التحول إلى قوة عالمية موحدة موضع سؤال.
العالم الإسلامي والعالم العربي
وفي القراءة التي يطرحها الكتاب للعالم الإسلامي، تبدو المنطقة جزءًا مهمًا من معادلة المستقبل، بحكم موقعها الجغرافي، ومواردها، وحجمها السكاني، وصلتها بمراكز التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية.
لكن القوة المادية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية وحضارية.
وهنا تبرز مشكلة الانقسامات السياسية والصراعات الداخلية وغياب المشروع المشترك، وهي عوامل يمكن أن تجعل المنطقة ساحة للتنافس الدولي بدلًا من أن تجعلها طرفًا مستقلًا في صياغة النظام العالمي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى العالم العربي باعتباره يمتلك عناصر قوة هائلة، لكنه يحتاج إلى تحويل هذه العناصر من إمكانات متفرقة إلى مشروع معرفي واقتصادي وسياسي متماسك.
إفريقيا ومستقبل العالم
لا يمكن، وفق هذه الرؤية، تجاهل إفريقيا في أي حديث عن المستقبل.
فالقارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وتشهد تحولات سكانية عميقة، وتملك موقعًا استراتيجيًا يجعلها جزءًا متزايد الأهمية من معادلة الاقتصاد العالمي.
الأزمات العالمية والحاجة إلى حوكمة جديدة
ينتقل الكتاب من صراع القوى إلى المشكلات التي لا تعترف بالحدود.
فهناك الأزمات الاقتصادية والمالية، والمخاطر البيئية، والتهديدات النووية، والهجرة، والفقر، وعدم المساواة، والجريمة العابرة للحدود.
ويخلص آتال إلى أن هذه التحديات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل على مستوى عالمي، لأن تركها للدول منفردة قد يجعلها عاجزة عن الوصول إلى حلول فعالة.
اقتباسات من الكتاب
من أكثر العبارات دلالة على الفكرة المركزية للكتاب ما يورده آتال في صيغة شديدة الوضوح: “غدًا، من سيحكم العالم؟ لا أحد، على الأرجح”.
ثم يربط هذه النتيجة بخطر أكبر، إذ يرى أن أي دولة لن تكون قادرة وحدها على السيطرة على ثروات الكوكب ومشكلاته.
ومن أفكاره المركزية أيضًا أن العالم قد يصل إلى مرحلة تدرك فيها البشرية أن السوق وحده لا يستطيع أن يعمل بصورة سليمة من دون دولة قانون، وأن دولة القانون تحتاج بدورها إلى دولة، وأن الدولة لا تكون مستدامة إلا إذا كانت ديمقراطية.
ويطرح كذلك الفكرة الأكثر إثارة في الكتاب، وهي أن حكومة عالمية ذات طابع ديمقراطي قد تظهر يومًا ما، “بعد كارثة، أو بدلًا منها”، وهي عبارة تلخص الجانب التحذيري في مشروعه الفكري.
أهم أفكار الكتاب
الفكرة الأولى أن العالم لم يعد قابلًا للإدارة بالوسائل القديمة وحدها.
والفكرة الثانية أن القوة العسكرية، رغم أهميتها، ليست المعيار الوحيد للنفوذ في القرن الحادي والعشرين.
والفكرة الثالثة أن الأسواق والمؤسسات الدولية والشركات العابرة للحدود أصبحت أطرافًا حقيقية في صناعة القرار العالمي.
والفكرة الرابعة أن الأزمات العالمية تحتاج إلى مؤسسات تتجاوز حدود الدولة القومية.
والفكرة الخامسة أن البشرية قد تضطر إلى بناء شكل جديد من الحوكمة العالمية، لا بوصفه حلمًا مثاليًا، وإنما بوصفه استجابة عملية لمشكلات لا تستطيع دولة واحدة حلها.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية “غدًا، من سيحكم العالم؟” في أنه لا يكتفي بوصف النظام الدولي القائم، وإنما يحاول التفكير فيما بعده.
كما أن الكتاب يفتح بابًا مهمًا لفهم التحولات في معنى القوة.
فالنفوذ اليوم لا يصنعه الجيش وحده، وإنما يصنعه الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة والمعلومات والقدرة على التأثير الثقافي والسياسي.
وتزداد أهمية الكتاب بالنسبة للقارئ العربي لأنه يدفع إلى إعادة التفكير في موقع المنطقة داخل النظام العالمي، بدل الاكتفاء بمراقبة الصراع بين القوى الكبرى.
نقد الكتاب
رغم قوة السؤال الذي ينطلق منه الكتاب واتساع أفقه التاريخي، فإن بعض توقعاته المستقبلية تظل رهينة بفرضيات قد تتغير مع الأحداث.
كما أن فكرة الحكومة العالمية، مهما بدت منطقية في مواجهة الأزمات العابرة للحدود، تطرح أسئلة صعبة حول السيادة الوطنية، ومن يختار هذه الحكومة، ومن يراقبها، وكيف يمكن منع القوة العالمية من التحول إلى سلطة فوق الشعوب.
وهناك كذلك مشكلة أخرى، تتمثل في أن الانتقال من تشخيص أزمة النظام العالمي إلى بناء بديل ديمقراطي عالمي ليس مسألة مؤسساتية فقط، وإنما يحتاج إلى توافق سياسي وثقافي وحضاري هائل.
ولهذا فإن قيمة الكتاب لا تكمن في أنه قدم خريطة مؤكدة للمستقبل، وإنما في أنه أجبر القارئ على التفكير في مستقبل لا تزال ملامحه قيد التشكل.
كتب مشابهة
يمكن وضع الكتاب في سياق عدد من الأعمال التي حاولت استشراف مستقبل النظام الدولي، مثل “صدام الحضارات” لصمويل هنتنغتون، و”نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما، وبعض مؤلفات محمد حسنين هيكل التي ناقشت تحولات النظام الدولي وموازين القوة.
كما يقترب من مشروع آتال نفسه في كتابه “ضجيج”، و”الإنسان الرحل”، و”تاريخ العالم”، وأعماله الأخرى التي تشتغل على المستقبل والتحولات الاقتصادية والحضارية.
ويتميز آتال بأنه لا ينظر إلى المستقبل من زاوية سياسية واحدة، بل يربط السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا والديموغرافيا والثقافة.
الكتاب والواقع الآن
بعد أكثر من عقد على صدور الكتاب، تبدو بعض أسئلته أكثر إلحاحًا مما كانت عليه عند نشره.
فالعالم يشهد صعود الصين، واستمرار التنافس الأمريكي الصيني، وتوتر العلاقات بين روسيا والغرب، وتراجع القدرة على إدارة أزمات دولية كثيرة عبر المؤسسات التقليدية.
وفي الوقت نفسه أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات من أدوات القوة الأساسية، بينما باتت الأزمات الاقتصادية والبيئية والهجرة والأوبئة والأمن السيبراني تتجاوز الحدود الوطنية.
وهذا يعني أن سؤال آتال لم يعد سؤالًا نظريًا عن المستقبل البعيد، بل أصبح جزءًا من النقاش السياسي الراهن.
ومع ذلك، فإن الواقع الحالي لا يقدم دليلًا على أن دولة واحدة ستستولي ببساطة على حكم العالم.
الأقرب أن المستقبل سيكون أكثر تعددًا، تتوزع فيه القوة بين دول كبرى، وتحالفات إقليمية، ومؤسسات دولية، وشركات تكنولوجية ومالية، وقوى اجتماعية وثقافية عابرة للحدود.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
جاك آتال مفكر واقتصادي وكاتب فرنسي، وُلد في الجزائر العاصمة سنة 1943، وانتقلت أسرته إلى باريس في خمسينيات القرن العشرين.
درس في المدرسة متعددة التقنيات، ثم معهد العلوم السياسية والمدرسة الوطنية للإدارة، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد.
كان مستشارًا خاصًا للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لمدة عشر سنوات، كما شارك في تأسيس عدد من المؤسسات الدولية، ومن بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
ويعد آتال من أكثر الكتاب الفرنسيين غزارة في التأليف، إذ يذكر موقعه الرسمي أنه ألّف 86 كتابًا، من بينها أكثر من 30 كتابًا مكرسة لتحليل المستقبل، وترجمت أعماله إلى 22 لغة.
ومن أشهر كتبه “تاريخ العالم”، و”الإنسان الرحل”، و”اقتصاد الحياة”، و”هل سنفلس جميعًا خلال عشر سنوات؟”، إلى جانب أعمال عديدة في الاقتصاد والسياسة والتاريخ والثقافة.
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، تطرح فكرة الكتاب سؤالًا بالغ الأهمية حول مفهوم الحكم والعدل.
فالإسلام لا يجعل القوة غاية في ذاتها، ولا يرى أن الغلبة العسكرية أو الثروة وحدهما تمنحان صاحبَهما الحق في قيادة البشر.
فالعدل أصل من أصول الحكم، كما يقول تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”.
ومن هذه الزاوية يمكن الاتفاق مع آتال في أن النظام العالمي الذي يقوم على القوة المجردة والمصلحة الأنانية لا يستطيع أن يحقق استقرارًا دائمًا.
لكن التصور الإسلامي يختلف عن فكرة الحكومة العالمية الحديثة في مرجعيتها ومفهومها للإنسان والسلطة.
فالمشكلة ليست فقط في العثور على مؤسسة عالمية تدير شؤون البشر، وإنما في ضمان أن تكون هذه المؤسسة قائمة على العدل، وتحفظ كرامة الإنسان، ولا تتحول إلى أداة لفرض إرادة الأقوى على الأضعف.
كما أن العالم الإسلامي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد كتلة سكانية أو منطقة استراتيجية أو مصدرًا للطاقة.
إن قوته الحقيقية، وفق الرؤية الإسلامية، تتصل بالإنسان والعلم والأخلاق والعدل والعمران.
ومن هنا فإن السؤال الذي يمكن أن يضيفه القارئ المسلم إلى سؤال آتال هو: من سيحكم العالم غدًا، وبأي قيم سيحكمه.
فامتلاك القوة من دون عدل قد يغير صاحب السلطة، لكنه لا يغير طبيعة الاستبداد.
أما القوة التي تقترن بالعلم والعدل والأمانة، فهي التي تستطيع أن تتحول من نفوذ عابر إلى مشروع حضاري.
هذا الكتاب
في النهاية، لا يقدم “غدًا، من سيحكم العالم؟” نبوءة نهائية باسم الدولة التي ستجلس على عرش العالم.
بل يقدم سؤالًا أخطر من ذلك.
فالمستقبل، كما يوحي آتال، لن تحدده القوة وحدها، وإنما قدرة البشرية على ابتكار قواعد جديدة للتعامل مع عالم أصبحت مشكلاته أكبر من حدوده.
ومن هنا تظل قيمة الكتاب قائمة حتى مع تغير كثير من الظروف التي كتب فيها.
فالسؤال عن الحاكم المقبل للعالم قد تكون إجابته أقل أهمية من السؤال عن طبيعة العالم الذي نريد أن يحكمه ذلك الحاكم.






