لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في حسابات القوى الكبرى، بل تحولت إلى نقطة انعطاف حقيقية في طبيعة العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، وعلى رأسها فرنسا. فباريس، التي لطالما حافظت على توازن دقيق بين التحالف مع واشنطن والاستقلال في القرار، وجدت نفسها أمام اختبار جديد أعاد صياغة أولوياتها الاستراتيجية، وأعاد تعريف نظرتها للدور الأمريكي في المنطقة.
منذ اندلاع المواجهة التي قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتسم الموقف الفرنسي بالحذر الواضح. لم تعارض فرنسا بشكل مباشر التحركات الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته لم تمنحها تفويضًا سياسيًا أو عسكريًا كاملاً. هذا التردد لم يكن ضعفًا، بل تعبيرًا عن قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار في باريس بأن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط أصبحت أكثر اندفاعًا وأقل قابلية للتنبؤ.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر بوضوح عن هذا التحول، خاصة في موقفه الرافض للمشاركة في “مشروع الحرية” لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. هذا الرفض لم يكن فقط بسبب غموض الخطة، بل يعكس رؤية أعمق تعتبر أن الانخراط في مبادرات غير محددة قد يزج بأوروبا في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.
تحول في فلسفة التحالف
تاريخيًا، كانت فرنسا جزءًا من المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته احتفظت دائمًا بهامش من الاستقلال، يعود إلى إرث شارل ديغول الذي أسس لفكرة “السيادة الاستراتيجية”. وبعد الحرب على إيران، بدا أن باريس تعود بقوة إلى هذا النهج، رافضة الانخراط في سياسات “الاستقطاب الحاد” التي تتبناها واشنطن.
وترى فرنسا أن الاعتماد الكامل على القوة العسكرية لم يعد كافيًا لضبط توازنات الشرق الأوسط، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل توسيع رقعة الصراع أو دفع قوى إقليمية أخرى إلى التصعيد. لذلك، تفضل باريس مقاربة متعددة الأطراف، تقوم على الدبلوماسية، وإشراك الفاعلين الإقليميين، بدلًا من فرض حلول بالقوة.
تقييم فرنسي للدور الأمريكي
لا تنكر فرنسا أهمية الدور الأمريكي في المنطقة، خاصة في تأمين الممرات البحرية الحيوية وحماية تدفقات الطاقة العالمية. فوجود الولايات المتحدة في الخليج، بما في ذلك مناطق مثل مضيق هرمز، لا يزال يُنظر إليه كعامل استقرار نسبي في بعض الأحيان.
لكن في المقابل، ترى باريس أن هذا الدور أصبح “مزدوج الوجه”. فمن جهة، يساهم في الردع ومنع بعض التهديدات، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى تأجيج التوترات عندما يُدار بشكل أحادي أو دون تنسيق دولي. بمعنى آخر، فرنسا لا ترفض الدور الأمريكي، لكنها تعترض على طريقة ممارسته.
نحو استقلال أوروبي أكبر
أحد أبرز نتائج الحرب على إيران هو تسريع النقاش داخل أوروبا حول ضرورة بناء سياسة دفاعية وأمنية مستقلة. فرنسا، التي تقود هذا التوجه داخل الاتحاد الأوروبي، ترى أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا في جميع الحالات، خاصة في ظل تغير أولويات واشنطن وتقلب سياساتها الخارجية.
ومن هنا، تسعى باريس إلى تعزيز مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، ليس كبديل للتحالف مع أمريكا، بل كضمانة لعدم الانجرار وراء قرارات لا تعكس المصالح الأوروبية. وهذا ما يفسر مواقفها الأخيرة التي تميل إلى التريث، ورفض الانخراط في خطط غير واضحة المعالم.
سياسية الشراكة الانتقائية
يمكن القول إن سياسة فرنسا تجاه الولايات المتحدة بعد الحرب على إيران لم تنقلب، لكنها أعيدت صياغتها. فبدلًا من التحالف غير المشروط، باتت العلاقة تقوم على “الشراكة الانتقائية”، حيث تدعم باريس ما يتوافق مع رؤيتها، وتتحفظ على ما قد يهدد توازنها الاستراتيجي.
وفي ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يبدو أن فرنسا ستواصل لعب دور “الوسيط الحذر”، الذي يسعى للحفاظ على الاستقرار دون الانخراط في مغامرات عسكرية، مع إبقاء مسافة محسوبة بينها وبين السياسات الأمريكية، في مشهد دولي يتجه نحو مزيد من التعددية والتعقيد.


