لم تعد الاحتجاجات الأوروبية المناهضة للحرب على غزة مقتصرة على المظاهرات في الشوارع والجامعات والساحات العامة، بل انتقلت إلى مواقع أكثر حساسية وتأثيراً، بعدما قرر عمال الموانئ تحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى تحرك عملي يستهدف أحد أهم شرايين التجارة والإمدادات العسكرية في العالم.
ففي تطور لافت، شهد يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إضرابات واحتجاجات واسعة في موانئ أوروبية ودولية، رفضاً لنقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، واحتجاجاً على عسكرة المنشآت البحرية واستخدام البنية التحتية المدنية في خدمة العمليات العسكرية، بالتزامن مع مطالب عمالية تتعلق بالأجور وظروف العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبحسب بيانات النقابات والتغطيات الإعلامية، امتدت التحركات إلى أكثر من 100 ميناء في 17 دولة، بمشاركة نقابات عمالية ومجموعات مناهضة للحرب، في تحرك يعكس اتساع دائرة الاعتراض على استمرار الإمدادات العسكرية لإسرائيل.
اللافت أن هذه التحركات لم تكن مجرد وقفات رمزية للتعبير عن التضامن مع غزة، وإنما حملت رسالة سياسية واقتصادية مباشرة، مفادها أن العاملين في قطاع النقل البحري لا يريدون أن تتحول وظائفهم إلى جزء من منظومة إمداد الحروب.
إيطاليا.. من الاحتجاج إلى تعطيل الموانئ
كانت إيطاليا إحدى أبرز ساحات التحرك، حيث شارك عمال الموانئ والنشطاء في إغلاق مداخل ومناطق مؤدية إلى ميناء ليفورنو، وخصوصاً مناطق جسر جنوى ومحطة تي دي تي وبوابة زارا.
ورفعت المجموعات المشاركة الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بمنع مرور الأسلحة، وردد المحتجون شعارات ترفض المشاركة في الحروب، من بينها رسالة واضحة حملت مضمون: لن نكون شركاء في جرائمكم.
وقال متحدث باسم مجموعة عمال موانئ ليفورنو المستقلة إن العمال يرفضون المساهمة في الحرب، مطالباً بوقف استخدام الميناء لنقل المواد العسكرية، بصرف النظر عن وجهتها.
كما طالبت النقابات بفتح حوار مع سلطات الميناء للتوصل إلى وقف شامل لنقل الشحنات العسكرية، سواء كانت موجهة إلى القوات المسلحة الإيطالية أو إلى دول أخرى.
وفي جنوى، شهدت الاحتجاجات مشاركة واسعة، بمشاركة عمال موانئ وطلاب ونشطاء، في واحدة من أبرز صور الاحتجاج المباشر على استخدام المنشآت البحرية في نقل المعدات العسكرية.
ولم تنفصل المطالب السياسية عن الأوضاع الاقتصادية، إذ دعا المشاركون إلى زيادة الإنفاق على التعليم والصحة، ووضع سقف للإيجارات، وخفض أسعار الوقود، وإلغاء ضريبة القيمة المضافة على السلع الأساسية.
فرنسا.. توقف 95% من نشاط الموانئ
في فرنسا، اتخذ الإضراب بعداً أكثر اتساعاً، بعدما دعت نقابة عمال الموانئ التابعة للكونفدرالية العامة للعمل إلى وقف عمليات التحميل والتفريغ في عدد كبير من الموانئ.
وقال طوني أوتبوا، الأمين العام لنقابة عمال تحميل السفن وتفريغها، إن الموانئ الفرنسية ستتوقف عن العمل بنسبة تصل إلى 95% خلال الإضراب، وفق تقديرات النقابة.
وأكد فرنسوا بريزو، الأمين العام لنقابة عمال ميناء لو هافر، عدم إجراء عمليات تحميل أو تفريغ، مشيراً إلى غياب الشاحنات أمام بوابات الميناء.
وفي ميناء نانت سان نازير، تعذر تحميل أو تفريغ تسع سفن كانت راسية، وفقاً لسلطات الميناء، التي أكدت أن حركة الملاحة جرى تنظيمها مسبقاً تحسباً للإضراب.
وتشمل التحركات نحو 14 ألف عامل في الموانئ الفرنسية، في دونكيرك وكاليه ولو هافر وروان ومرسيليا وسان نازير وغيرها.
ولا تقتصر مطالب العمال على وقف عسكرة الموانئ، بل تشمل أيضاً رفع الحد الأدنى للأجور، وحماية الخدمات العامة والمستشفيات والضمان الاجتماعي، والاعتراض على مشروع الموازنة الحكومية.
اليونان.. البحارة يرفضون أن يكونوا وقوداً للحروب
في اليونان، توقفت الغالبية العظمى من الرحلات البحرية بين البر الرئيسي وجزر بحر إيجه، نتيجة الإضراب الذي دعت إليه نقابتا البحارة ومهندسي البحرية التجارية.
وطالبت النقابتان بأجور لائقة واتفاقات عمل جماعية، إلى جانب توفير الحماية للعاملين في المناطق البحرية الخطرة، ورفض نقل المعدات الحربية عبر الموانئ.
وقال أبوستولوس كيبرايوس، رئيس نقابة مهندسي البحرية التجارية اليونانية، إن العمال لا يريدون المشاركة في حروب الآخرين أو تعريض حياتهم للخطر بسبب الصراعات العسكرية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة مع تزايد المخاطر التي تواجه السفن التجارية في مناطق التوتر، خصوصاً في الخليج والبحر الأسود، حيث أصبحت الملاحة البحرية مرتبطة بصورة متزايدة بالتطورات العسكرية والأمنية.
وفي تركيا، امتدت التحركات إلى محيط ميناء حيدر باشا في إسطنبول، حيث نظم ناشطون احتجاجات ضد نقل الأسلحة إلى إسرائيل، مطالبين بوقف استخدام الموانئ في دعم العمليات العسكرية.
بريطانيا وأيرلندا.. الاحتجاج يصل إلى طرق الإمداد
وفي بريطانيا، نظم ناشطون ونقابيون وقفة أمام ميناء تيلبوري في مقاطعة إسيكس، للمطالبة بوقف تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل.
كما شهدت أيرلندا الشمالية احتجاجات بالقرب من ميناء بلفاست، حيث أغلق متظاهرون الطريق المؤدية إلى الميناء ورفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات داعمة للشعب الفلسطيني.
وتكشف هذه التحركات عن انتقال الاحتجاجات إلى مواقع استراتيجية ترتبط بحركة التجارة الدولية، بما يضع شركات الشحن والحكومات أمام تساؤلات متزايدة بشأن مسؤوليتها عن نقل المعدات العسكرية إلى مناطق النزاعات.
النقابات والخبراء.. معركة تتجاوز التضامن السياسي
تكشف تصريحات القيادات النقابية أن التحرك لا يستهدف إسرائيل وحدها، بل يطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمسؤولية العاملين والشركات والحكومات عن استخدام البنية التحتية المدنية في نقل المعدات العسكرية.
ويقدم طوني أوتبوا وفرنسوا بريزو نموذجاً واضحاً للانتقال من المواقف السياسية إلى تعطيل العمليات اللوجستية، بينما يلفت أبوستولوس كيبرايوس إلى المخاطر التي يتحملها البحارة نتيجة توسع النشاط العسكري في الممرات البحرية.
ومن المهم التمييز بين تصريحات القيادات النقابية والتقييمات البحثية المستقلة؛ إذ لا تتضمن المعلومات المتاحة في التغطيات المنشورة آراء موثقة لباحثين مستقلين بأسمائهم بشأن نتائج هذا الإضراب، ولذلك لا يصح اختلاق مواقف أو نسب تقديرات إلى خبراء لم يدلوا بها.
وفي المقابل، تشير تقديرات إعلامية إلى أن التأثير المباشر للإضرابات على التجارة العالمية قد يظل محدوداً، مع احتمال حدوث تأخيرات وتكدس في بعض الموانئ، خصوصاً بالنسبة للشحنات الحساسة للوقت والبضائع سريعة التلف.
ردود الفعل والتأثيرات.. هل تتضرر تجارة السلاح؟
أبرز ما يميز هذه الاحتجاجات أنها تستهدف الحلقة اللوجستية التي تعتمد عليها تجارة السلاح، وليس فقط الجهات السياسية التي تتخذ قرارات التصدير والتسليح.
فإذا امتنع عمال التحميل والتفريغ عن التعامل مع شحنات عسكرية محددة، فقد تواجه الشركات صعوبات في تنفيذ عمليات النقل، حتى إذا ظلت العقود التجارية قائمة والتراخيص الحكومية سارية.
كما أن اتساع التنسيق النقابي بين الدول يمنح هذه التحركات أهمية إضافية، لأن تغيير مسار السفن أو نقل الشحنات إلى موانئ أخرى قد يصبح أكثر صعوبة إذا تكررت الاحتجاجات في مواقع متعددة.
لكن الحكومات والشركات تمتلك في المقابل أدوات لمواجهة الإضرابات، من بينها إعادة تنظيم مسارات الشحن والاستعانة بموانئ بديلة، وهو ما يعني أن التأثير الفعلي سيظل مرتبطاً باستمرار التنسيق العمالي واتساع المشاركة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التحركات
السيناريو الأول يتمثل في تحول الإضرابات إلى ضغط نقابي مستمر، عبر التنسيق بين عمال الموانئ في أوروبا والبحر المتوسط وتركيا والهند، بما يصعب على شركات الشحن تجاوز الاحتجاجات من خلال تغيير مسارات النقل.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في اتجاه الحكومات إلى احتواء الأزمة من خلال الحوار مع النقابات، وتقديم ضمانات بشأن عدم استخدام الموانئ المدنية في عمليات نقل عسكرية محل اعتراض، دون الوصول بالضرورة إلى حظر شامل لتجارة السلاح.
والسيناريو الثالث هو تصاعد المواجهة بين النقابات والسلطات، خصوصاً مع اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى تسهيل حركة المعدات العسكرية عبر البنية التحتية المدنية ضمن خطط تعزيز التنقل العسكري، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة بين العمال والمؤسسات الحكومية.
ما يحدث في الموانئ الأوروبية يمثل تطوراً مهماً في طبيعة التضامن الدولي مع فلسطين؛ لأنه ينقل الاحتجاج من دائرة الشعارات والمواقف السياسية إلى دائرة المصالح الاقتصادية وسلاسل الإمداد.
فالعامل الذي يرفض تحميل سفينة تحمل معدات عسكرية لا يملك قرار الحرب، لكنه يستطيع أن يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً أمام الشركات والحكومات: هل يجوز أن تتحول الوظيفة المدنية إلى أداة لخدمة الحروب؟
والأهم أن التحرك لم يعد محصوراً في دولة واحدة أو نقابة بعينها، بل أصبح جزءاً من محاولة لبناء جبهة عمالية عابرة للحدود، تستطيع التأثير في حركة السلاح والتجارة.
لكن نجاح هذه الجبهة لن يقاس بعدد الموانئ التي أغلقت أبوابها ليوم واحد، وإنما بقدرتها على تحويل الاحتجاج المؤقت إلى آلية ضغط مستمرة، تفرض الشفافية بشأن الشحنات العسكرية وتدفع الحكومات إلى مراجعة سياساتها.
وقد لا توقف هذه الإضرابات تدفق السلاح إلى إسرائيل بمفردها، لكنها تكشف أن الدعم العسكري لم يعد قضية حكومية مغلقة، وأن قطاعات واسعة من المجتمع الأوروبي باتت تريد أن تكون لها كلمة في تحديد الدور الذي تلعبه بلدانها ومؤسساتها في الحروب.
إن معركة غزة امتدت إلى شرايين الاقتصاد العالمي، وأصبح عمال الموانئ طرفاً في معادلة الضغط على تجارة السلاح، في تطور قد تكون له تداعيات تتجاوز يوم الإضراب إلى مستقبل العلاقة بين النقابات والحكومات وصناعة السلاح في أوروبا.


