الرهان على أن المناورات العسكرية المشتركة في سرت تمثل اختراقًا حاسمًا في الأزمة الليبية يبدو مبالغًا فيه، لكن تجاهل دلالاتها الاستراتيجية سيكون خطأ بنفس درجة المبالغة فى التفاؤل بالتدريبات المشتركة .
. ما جرى ليس توحيدًا للجيش، بل اختبار أولي لإمكانية التعايش الميداني بين قوتين ظلتا لسنوات في حالة خصومة مباشرة، وهو فارق جوهري في قراءة المشهد.
هذه التدريبات، وعلى رأسها مناورات «فلينتلوك 2026»، تعكس تحوّلًا في طبيعة إدارة الملف الليبي من الصراع الصفري إلى إدارة التوازنات. فاجتماع قوات من الشرق والغرب تحت مظلة تدريبية واحدة لا يعني ذوبان الانقسام، لكنه يشير إلى قبول ضمني بقواعد اشتباك جديدة، قوامها التنسيق المحدود بدل المواجهة المفتوحة. هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بضغوط دولية، خصوصًا من الولايات المتحدة، التي تسعى إلى منع انزلاق ليبيا مجددًا إلى صراع واسع قد يهدد إمدادات الطاقة ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
من زاوية أخرى، يحمل اختيار مدينة سرت دلالة عميقة؛ فهي ليست فقط نقطة وسط جغرافي، بل تمثل ذاكرة صراع بين الطرفين، وتحويلها إلى منصة تعاون—even بشكل رمزي—يعكس محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية للصراع. سرت هنا تتحول من خط تماس إلى مساحة اختبار، وهو ما قد يتكرر لاحقًا في مناطق أخرى إذا ما استمر هذا النهج.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الميدان العسكري، بل في البنية السياسية التي تحكمه. فالتجربة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن أي تقارب أمني لا يستند إلى توافق سياسي يظل هشًا وقابلًا للانهيار. لا تزال مراكز القرار منقسمة، وتتنازع الشرعية بين مؤسسات متوازية، كما أن ملف توزيع الموارد، خاصة النفط، يظل عامل توتر دائم. في هذا السياق، تبدو التدريبات وكأنها “سقف منخفض” للتوافق: تنسيق أمني دون اتفاق سياسي شامل.
الأهم أن هذه الخطوة تكشف عن تغير في أولويات الفاعلين الدوليين. لم يعد الهدف المباشر هو فرض تسوية سياسية شاملة، بل إدارة الاستقرار ومنع الانفجار. وهذا يفسر التركيز على ملفات مثل مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، باعتبارها نقاط التقاء ممكنة بين الأطراف المتنازعة، حتى في ظل استمرار الخلافات حول السلطة.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذه التدريبات قد تخلق ديناميكيات داخلية جديدة. فالتواصل المباشر بين القيادات الميدانية قد يفتح قنوات غير رسمية للحوار، ويؤسس لنوع من “الثقة العملياتية” التي يمكن البناء عليها تدريجيًا. كما أن وجود أطراف دولية راعية يمنح هذه العملية قدرًا من الاستمرارية، ولو في حدها الأدنى.
في المقابل، تظل المخاطر قائمة. فغياب الإرادة السياسية الحقيقية لتوحيد المؤسسة العسكرية، واستمرار التنافس على النفوذ، قد يحول هذه الخطوة إلى مجرد حدث عابر. كما أن أي تصعيد سياسي أو اقتصادي—مثل الخلاف على الميزانية أو عائدات النفط—قد ينعكس سريعًا على الأرض ويقوض ما تحقق من تقارب.
في المحصلة، يمكن القول إن ليبيا تدخل مرحلة “إدارة الانقسام” بدلًا من حسمه. التدريبات المشتركة ليست نهاية الصراع، لكنها قد تكون بداية لمرحلة جديدة تُدار فيها الخلافات بأدوات أقل كلفة. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الخطوة ستوحد الجيش قريبًا، بل ما إذا كانت ستنجح في منع عودته إلى الانقسام المسلح. هذا بحد ذاته، في السياق الليبي، يُعد تحولًا مهمًا يستحق المتابعة.






