مثّل خطاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمام الأمم المتحدة واحداً من أكثر التصريحات وضوحاً في عدائيته لكثير من الدول و في التعبير عن رؤيته للعالم، وتجسيداً لأيديولوجيته في صورتها المباشرة.
ومن وجهة نظر مؤيديه، تعد الكلمة التي ألقاها ترامب تجسيداً صريحاً لما يطلق عليه “الترامبية” المباشرة، أما من وجهة نظر معارضيه، فكلمته جاءت بوصفه “ترامبية” غير متزنة.
فعلى مدى نحو ساعة كاملة، وجّه ترامب سهامه إلى خصومه وأفكارهم، مطيحاً بهم واحداً تلو الآخر وهو يجوب مشهد القضايا الدولية.
واستهل ترامب كلمته بالحديث عن الشأن الداخلي الأمريكي، فأثنى على الولايات المتحدة وأشاد بنفسه، وقال إن بلاده تعيش مرحلة ذهبية، ثم عاد وكرر ادعاءات محل الجدل بأنه تمكّن شخصياً من إنهاء سبعة حروب، مؤكداً أن ذلك يُؤهله لنيل جائزة نوبل للسلام.
الخطاب حمل كثيرًا من التضليل، بحسب الصحف الأجنبية، نسف ما تبنّاه العالم سابقًا من قرارات حول المناخ والطاقة الأحفورية، بعدما هاجم الأمم المتحدة وتفاخر بقوة أمريكا واستمر في تبرير الإبادة في غزة، والدفاع عن دولة الاحتلال.
الصحافة البريطانية التقطت هذه الملاحظات وركّزت على:
الهجمات الكلامية ضد أوروبا وبريطانيا، بعدما استخدم ترامب لهجة عدائية واعتبر أن أوروبا “تدمّر نفسها” بسياسات الهجرة والطاقة، بل ذهب إلى حد الادعاء بأن لندن قد “تخضع للشريعة” تحت عمدة المدينة صادق خان، وهو ما أثار استنكارًا واسعًا في الأوساط السياسية البريطانية.
الادعاءات المضللة:
صحيفة الغارديان أجرت تحققًا موسعًا، لتكشف أن معظم ما قاله ترامب يفتقر إلى الأدلة أو يضخم الواقع، مثل حديثه عن الهجرة أو الحروب التي زعم أنه أنهاها.
صحف أخرى أكدت أن الخطاب مليء بالمبالغات والادعاءات غير المدعومة.
الفجوة بين الشكل والمضمون:
لم تمرّ الأخطاء التقنية مرور الكرام؛ من تعطل جهاز “الأوتوكيو” إلى السلم الكهربائي، وهي تفاصيل حولها الإعلام إلى رمز لضعف التحضير.
ترامب نفسه حاول التلميح إلى فساد في عقود الأمم المتحدة عندما أعاد الحديث عن مشروعه القديم لصيانة المبنى، والنتيجة خطاب بدا أقرب إلى حملة انتخابية داخلية منه إلى موقف دولي رصين.
الصحف البريطانية خلصت إلى التحذير من تداعيات خطيرة على العلاقات الدولية، مشيرة إلى أن لهجة التصعيد والعداء قد تفتح الباب أمام توترات مع الحلفاء الأوروبيين في ملفات حيوية مثل الطاقة والدفاع.
مغازلة أوروبا
إلا أن الرئيس الأمريكي سرعان ووجّه انتقاداته إلى الأمم المتحدة، التي تستضيف المؤتمر الدولي، مؤكداً أنها لم تُسهم في جهوده الرامية إلى إحلال السلام، وتساءل ما جدوى المنظمة؟ مشيراً إلى أنها تمتلك طاقات هائلة لكنها لا ترقى إلى مستوى تلك الإمكانات، وأضاف أن كل ما تفعله لا يتعدى إصدار رسائل شديدة اللهجة بلا متابعة تُذكر، مكرراً أن الكلمات الجوفاء لا تُنهي الحروب.

كما انتقد ترامب الأمم المتحدة بسبب المساعدات التي تقدّمها لطالبي اللجوء الساعين إلى دخول الولايات المتحدة، قائلاً: “إن دور الأمم المتحدة هو منع الغزوات لا إيجادها ولا تمويلها”، بل وصل به الأمر إلى حد انتقادها بسبب حدوث عطل في السلم الكهربائي وجهاز التلقين، مما عرقل زيارته وأربك خطابه.
يُمكن النظر إلى ترامب بوصفه سبباً وعَرَضاً في آن واحد للقصور الذي أصاب الأمم المتحدة، إذ يعتقد هو أن الأزمات العالمية تُعالج على النحو الأمثل حين يجتمع رجال لهم نفوذ أمثاله لإبرام اتفاق، لا عبر مؤسسات متعددة الأطراف كالمنظمة الأممية لصياغة حلول جماعية.
وتحت قيادته، علّقت الولايات المتحدة قدراً كبيراً من تمويلها للأمم المتحدة، مما دفع الأخيرة إلى تقليص أنشطتها الإنسانية في شتى أرجاء العالم.
كما خصّ ترامب حلفاء أوروبيين بأشد الانتقادات، وهاجم القارة بسبب استثماراتها في الطاقة المتجددة، وفتح حدود دولها أمام المهاجرين.
وقال: “أوروبا في مأزق خطير، اجتاحها تدفق من المهاجرين غير الشرعيين لم يسبق له مثيل… إن سياسات الهجرة وأفكار الطاقة المدمّرة ستؤدي إلى زوال أوروبا الغربية”.
وأشار، وسط هتافات صادمة من الحاضرين، إلى أن “تغير المناخ يعد أكبر خدعة ارتُكبت بحق العالم”، وأنه يثقل كاهل الدول الأوروبية بتكاليف طاقة باهظة مقارنة بالوقود الأحفوري، وأيضاً وجّه انتقاده على نحو خاص إلى الحكومة البريطانية لفرضها ضرائب جديدة على نفط بحر الشمال.
وقال: “إن لم تتراجعوا عن خدعة الطاقة الخضراء، فإن بلادكم ستواجه الفشل”.
أضاف: “أنا أحب أوروبا وأحب شعوبها، وأكره أن أشهد دمارها بفعل سياسات الطاقة والهجرة. هذا الوحش ذي الذيلين يدمر كل ما يمرّ به… تسعون للالتزام بخطوات سياسية صحيحة وأنتم تمهدون لتدمير تراثكم”.
لاحظوا هذه النقطة الأخيرة، فهي تعكس ما قاله ترامب خلال زيارته الرسمية لبريطانيا الأسبوع الماضي، حين تحدّث عن أهمية الحفاظ على قيم ما أطلق عليه اسم “العالم الناطق بالإنجليزية”.
ويتجلّى بُعد ثقافي في انتقاد ترامب لأوروبا، إذ يبدو أنه يرى في الهجرة غير المنظمة تهديداً لما يعتبره التراث اليهودي المسيحي القائم في القارة. وليس من باب المصادفة أن يكون ترامب رئيس إدارة تعلن عن دينها بصورة واضحة.
وقال في الأمم المتحدة: “لنحمي الحرية الدينية، بما في ذلك الدين الأكثر اضطهاداً في العالم اليوم، ألا وهو المسيحية”.
كما تطرق ترامب إلى نقطة سياسية محددة، مثّلت التحذير الأبرز في كلمته عندما وجه الرئيس الأمريكي انتقاداً يتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا، وأشار إلى أن رفض الرئيس بوتين إنهاء النزاع “لا يصوّر روسيا بصورة جيدة”.
وأضاف أن الولايات المتحدة مستعدة “لفرض جولة شديدة من التعريفات الجمركية الفعّالة” لوضع حد لإراقة الدماء، لكنه أكد أن الدول الأوروبية يجب أن تتوقف عن شراء الطاقة الروسية، مشيراً إلى أنه اكتشف قبل أسبوعين فقط أن بعض الدول لا تزال تفعل ذلك.

وبالفعل تُعد المجر وسلوفاكيا الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين تشتريان النفط الروسي. ويشير دبلوماسيون إلى أن ترامب يتوارى وراء ذلك لتجنّب فرض عقوبات ثانوية على الهند والصين، اللتين تشتريان كميات ضخمة من الطاقة الروسية الرخيصة، وقد أشار إليهما ترامب بالاسم.
ويشكّل تصنيف ترامب لروسيا على أنها “نمر من ورق” وليست “قوة عسكرية حقيقية” ضربة للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي يتأثر بشدة بأي إشارة إلى أن بلاده ليست فاعلاً عالمياً، وأشار الدبلوماسيون إلى أن هذا يُعد أحدث مثال على مسار ترامب المتجه نحو تبنّي موقف أكثر انتقاداً تجاه روسيا.
وعلى الرغم من ذلك ينبغي دائماً أخذ تصريحات ترامب بتحفظ، فقد أبدى تفاؤلاً مباشرة بعد لقاءه الرئيس الأوكراني، فلوديمير زيلينسكي، في الأمم المتحدة.
وأوضح أن أوكرانيا قد تتمكن من استرجاع أراضيها بدعم من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، دون الإشارة إلى أي مشاركة من جانب الولايات المتحدة، وتشير جميع الأدلة في السنوات الأخيرة إلى أن هذا الصراع عبارة عن حرب استنزاف بطيئة، وأن استعادة الأراضي من روسيا لن تتحقق دون دعم عسكري أمريكي واسع النطاق.

ويمكن القول إن هذا الخطاب جاء معبراً عن ترامب بلا رتوش، وتأكيداً على الدفاع عن أمريكا والدولة الوطنية، وهجوماً على التعددية والعولمة، وسلسلة متواصلة من الأفكار مصحوبة بادعاءات مثيرة للجدل.
فقبل ست سنوات، كان الحاضرون يستمعون لدونالد ترامب في الأمم المتحدة ويضحكون أحياناً على ادعاءاته غير الدقيقة، أما هذا العام، فأغلبهم استمع بصمت.
وقال ترامب لقادة العالم: “أنا بارع جداً في هذا المجال. دولكم تتجه نحو الانهيار”.
أكاذيب ترامب
جريدة نيويورك تايمز جمعت اكاذيب وأضاليل ترامب في خطابه امام الامم المتحدة وردت عليها بالحقائق والأرقام:
• قال ترامب إن إدارته جلبت 17 تريليون دولار خلال 8 أشهر مقابل أقل من تريليون في عهد بايدن.
• الحقيقة: الرقم مبالغ فيه. إدارته نفسها أحصت 8.8 تريليون دولار فقط، ومعظمها وعود غير مؤكدة. بينما بايدن حقق نحو 800 مليار بمشاريع فعلية موثقة.
• زعم ترامب أن عمدة لندن (صادق خان) يريد تطبيق الشريعة.
• الحقيقة: لا دليل إطلاقًا. خان أكد مرارًا رفض الشريعة في بريطانيا، والاتهامات ضده قائمة على شائعات وحملات كراهية.
• قال ترامب إن الصين لا تستخدم طاقة الرياح وتكتفي ببيع التوربينات.
• الحقيقة: الصين تمتلك أكبر قدرة إنتاجية للرياح عالميًا (نحو نصف الإجمالي)، وتدير ثلث مزارع الرياح في العالم.
• قال ترامب إن فواتير الكهرباء والبنزين انخفضت كثيرًا.
• الحقيقة: الكهرباء ارتفعت بنسبة 6.2%، أما البنزين فانخفض بشكل طفيف جدًا مقارنة بالعام الماضي وبداية ولايته.
• قال ترامب إن ملايين من السجون ومؤسسات الأمراض العقلية دخلوا عبر الحدود.
• الحقيقة: لا دليل على ذلك.
• ادعى ترامب أنه أنهى سبع حروب “لا نهاية لها”.
• الحقيقة: الدور الأمريكي في تلك النزاعات محل خلاف، وبعضها لم يُنهَ فعليًا.
• زعم ترامب أن إدارة بايدن فقدت 300 ألف طفل “كثير منهم مات أو تم الاتجار بهم”.
•الحقيقة: الرقم مبالغ فيه جدًا، ولا يوجد دليل على وفيات واسعة.
• قال ترامب إن 300 ألف أمريكي ماتوا بسبب المخدرات العام الماضي.
• الحقيقة: العدد الحقيقي يقارب 80 ألفًا.
• وصف واشنطن بأنها “عاصمة الجريمة” وقال إن الناس عادوا للخروج للعشاء بعد “الفيدرالية”.
• الحقيقة: واشنطن ليست عاصمة الجريمة، وحجوزات المطاعم لم تتغير بشكل ملحوظ.


