أعادت التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات التي استهدفت نقاطًا حدودية في جنوب ليبيا طرح تساؤلات واسعة حول واقع المشهد الأمني في البلاد، في وقت يتزامن فيه التصعيد الميداني مع حراك سياسي تشهده العاصمة طرابلس، وسط انقسام سياسي ومؤسساتي ممتد منذ نحو 15 عامًا.
وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية الليبي الأسبق، رئيس المجلس الأعلى لقبائل الأشراف والمرابطين، اللواء صالح المسماري، أن الوضع الأمني في شرق وجنوب ووسط البلاد «مستقر ومطمئن»، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة تواصل تأمين الحدود والتعامل باحترافية مع التهديدات، على حد تعبيره.
هجوم معبر التوم.. نقطة تحول في الجنوب
وأوضح المسماري أن الهجوم الذي استهدف معبر التوم الحدودي لم يكن عملاً عشوائيًا، بل استهدف موقعًا استراتيجيًا يمثل شريانًا حيويًا للتجارة والتنقل، لكنه يُستغل أيضًا كنقطة تسلل للهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح وأنشطة الجريمة المنظمة.
وكانت مجموعات مسلحة قد هاجمت الشهر الماضي منفذ التوم الحدودي، إلى جانب نقطتي وادي بوغرارة والسلفادور، حيث تتمركز وحدات من حرس الحدود، ما أدخل المنطقة في مرحلة تصعيد جديدة مع شبكات المرتزقة والجماعات العابرة للحدود.
واعتبرت تلك الهجمات محاولة لزعزعة السيطرة الأمنية في الجنوب وبسط نفوذ جماعات تنشط عبر الحدود الجنوبية، في ظل تعقيدات المشهد الأمني في منطقة الساحل والصحراء.
وفي تطور لاحق، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية تنفيذ «عملية نوعية» ناجحة في الجنوب الغربي، أسفرت عن تحرير جنود كانوا قد اختُطفوا خلال الهجوم، مع تأكيد استمرار عمليات التمشيط والملاحقة.
مجموعات هجينة وشبكات عابرة للحدود
وأشار المسماري إلى أن المجموعات المهاجمة ضمت عناصر من امتدادات قبلية عابرة للحدود، ومرتزقة من دول أفريقية تعاني هشاشة أمنية، إضافة إلى ما وصفها بـ«مجموعات هجينة» تضم شبكات للاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، وعناصر مرتبطة بتنظيمات متطرفة تنشط في دول الساحل.
وشدد على أن هذه العناصر لا تمثل مجرد مهربين، بل تشكل امتدادًا لجماعات متشددة تسعى لاختراق المنطقة مستغلة ما تعتقده ثغرات أمنية في الجنوب الليبي.
وأكد أن القوات المسلحة نفذت عمليات جوية ونصبت كمائن أمنية مكّنتها من دحر المهاجمين وملاحقتهم في عمق الصحراء، إلى جانب استعادة آليات عسكرية حاولوا الاستيلاء عليها، مشيرًا إلى أن «الجيش يسيطر على الموقف ويمنع تمدد الفوضى».
اتهامات بالتمويل وتداخل السياسي بالأمني
وفيما يتعلق بخلفيات التصعيد، اعتبر المسماري أن الهجمات «مدفوعة الثمن وممولة مسبقًا»، موجهًا اتهامات لأطراف في غرب البلاد بالسعي إلى إرباك القوات المسلحة عبر إشغالها في الجنوب، معتبرًا أن حالة الاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها الجيش «لا ترضي بعض القوى في طرابلس».
كما ربط بين التطورات الأمنية وعودة القيادي المحسوب على تيار الإسلام السياسي علي الصلابي، وتكليفه بملف المصالحة، واصفًا إياه بـ«الشخصية الجدلية»، ومحذرًا من توظيف هذا الملف في سياق صراع النفوذ والسلطة.
رسائل إلى أوروبا.. ليبيا بوابة المتوسط
وفي رسالة موجهة إلى الدول الأوروبية، حذّر المسماري من أن تجاهل دعم المؤسسة العسكرية الليبية قد يفضي إلى تصاعد موجات الهجرة غير الشرعية وتنامي التهديدات العابرة للحدود، داعيًا إلى تعزيز التعاون الأمني عبر تقنيات الإنذار المبكر وأنظمة المراقبة الحديثة.
وأكد أن ليبيا تمثل بوابة أفريقيا نحو المتوسط، وأن أي تدهور أمني في الجنوب ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن جنوب أوروبا، مشددًا على جاهزية الجيش الوطني الليبي للتعامل مع أي تهديدات في التوقيت المناسب.
وتعكس هذه التطورات تداخل المسارات الأمنية والسياسية في ليبيا، حيث يبقى الجنوب ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي وشبكات التهريب والجماعات المتطرفة، في وقت يظل فيه الاستقرار رهين توافقات داخلية ودعم دولي فعّال.






