الحمد لله القائل: ﴿أذِنَ لِلَّذِينَ يقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والملاحم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ إلى علماء أمتنا الإسلامية، إلى مفكريها ونخبها الأحرار:
نخاطبكم اليوم من أرض اليمن، من ثغور التماس، لا بلغة الترف الفكري ولا بالمعارك الكلامية، بل من صميم الواقع الذي يَكتوي أهله بنار صائلٍ لم يرقب في
مؤمنٍ إلاً ولا ذمة. إننا ندرك تماماً ما يدور في أروقة الفكر والنظر خارج اليمن، ونعلم حرصكم الصادق على جمع كلمة الأمة وتوجيه بوصلتها نحو العدو الصهيو-صليبي المركزي، بيدَ أنَّ «المعايِن ليس كالمُخبِر»،
وإنَّ استنزاف الأمة في التنظير بعيداً عن مناط الواقعة يورث عماءً عن مقاصد الشريعة في حماية الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، العرض، والمال).
أولاً: فقه المقاصد وشرعية دفع الصائل الممتنع
لقد استقرت القواعد الشرعية لدى أئمة الأمة على أن حفظ الدين والنفس مُقدَّمٌ على كل اعتبار، وأن دفع الصائل المعتدي واجبٌ شرعي لا يحتمل الإرجاء.
قال الإمام الغزالي في المستصفى: «إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسبهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة».
وبيَّن الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام أن تصرفات الشريعة تدور على درء المفاسد وجلب المصالح، وأن أشد المفاسد تسليط العدو المعتدي على دماء المسلمين ودينهم.
وأكَّد الإمام الشاطبي في الموافقات أن أحكام الدفع وجبت لتكون صيانةً للأصل المقاصدي الذي قامت عليه الملة.
وشخَّص شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام المصِرَّة على الاعتداء، مبيناً أن دفع ضررها عن الدين والدنيا من أعظم الواجبات، فكيف إذا انضاف إلى امتناعها عدوانٌ صارخ على القرى والديار؟!
إن الحوثي لم يترك لنا مجالك للحوار؛ لقد صال في البدء على الدولة، والدين، ومساجد المسلمين، ودور القرآن الكريم، ومراكز العلم، وهجَّر الآلاف من العلماء والرموز والمثقفين. ولم يكتفِ بذلك، بل يُطلّ علينا بعقيدة سلالية تدميرية تفرز المجتمع إلى طبقات، وترى لنفسها السيادة الإلهية على العباد، وتوجب على الأمة التسليم بحكمها حصراً، في نسفٍ كامل لتاريخ الأمة الممتد منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتجريفٍ لكل ما خلَّفته الحضارة الإسلامية من علمٍ وكتبٍ ورموز.
ثانياً: تفكيك المحطات التاريخية وحقيقة المشروع الصفوي
إننا لا نغالط أنفسنا ولا نُنكر موقف الحوثي المعلن في قتال أمريكا ومناصرة غزة؛ لكن التاريخ المتواتر والشواهد الميدانية لا تُغطى بالغربال:
التخادم والتمهيد: لقد حُظي المشروع الحوثي بتسهيلاتٍ وتقاطعات مصالح مع أمريكا لضرب أهل السنة والإخوان والمشروع الإسلامي في اليمن. ولا ينسى أهل اليمن كيف كانت الطائرات المسيرة الأمريكية تغطي معركة البيضاء من السماء بينما يهجم الحوثي على الأرض، وكيف تدخلت أمريكا بضغوطها الدولية لتوقف معركة الحديدة حين كانت القوات على وشك حسمها.
عقيدة استباحة الأمة: إن المشروع الصفوي الإيراني ككل هو الذي دمر بنيان أهل السنة في العراق، وتحالف مع المحتل الأمريكي في إسقاط بغداد وسجن «أبو غريب»، وما صنعوه في سوريا وأفغانستان بشهادة وقرار قياداتهم السياسية. وإن كنا نعلم أن غيرهم قد يتقاطع مع أمريكا لأجل السلطة والكرسي، فإن تقاطع هذا المشروع يأتيهم بعقيدةٍ تجيز استباحة الأمة وكلما سنحت لهم الفرصة استخدموا أقلياتهم خناجر في ظهر الأمة.
تغير قواعد اللعبة: إن ما نراه اليوم من مواجهة بين أمريكا والحوثي/إيران ليس تحولاً في العقيدة الحوثية، بل هو «نهاية التخادم» بعد أن تضخم المشروع الصفوي وبدأ ينازع القوى الدولية نفوذها في المنطقة، فانقلبت الحرب بينهما بعد أن كانا لحمة واحدة في ضربنا.
ثالثاً: قضيتان جوهريتان أمام عقلاء الأمة
لِتتجلى الحقيقة لعلماء الخارج والداخل، نضع أمامكم قضيتين مفصليتين:
القضية الأولى: خيار الضرورة واقتحام الواقع
تقول مقاصد الشريعة بأولوية الاجتماع لمواجهة العدو الصهيو-صليبي، لكننا أجبرنا اضطراراً على القتال؛ لأن المشروع الصفوي بعاديته الشديدة وناره المشتعلة في العراق وسوريا والخليج واليمن لم يترك لنا مساحة للسلام.
وإننا نسأل عقلاء الأمة: ماذا لو خلا الجو لهذا المشروع في اليمن وشارف على مقدّرات الأمة؟ ماذا سيصنع بأهل السنة وبنيانهم؟
القضية الثانية: التمييز بين معركة الخارج ومعركة الدفع الميداني
نعم، قد تكون الحرب الجديدة في اليمن متأثرة بقرارات أمريكا ودول الإقليم لخدمة مصالحهم الخاصة، ونحن كعلماء ونخب لم نكن نتمناها بهذا التوقيت.. ولكن ثمة فرقٌ جوهري بين معركة الدول ومصالحها، وبين معركتنا الاستراتيجية الممتدة ضد الحوثي منذ عقود، ودفاعنا الاضطراري عن قرانا!
إن الحوثي يهاجمنا اليوم في قرانا بتعز (في الوازعية، جبل حبشي، حيفان، قدس، هيجة العبد، وحصار المدينة من الشرق والغرب)؛ فهل يريد منا عقلاء الأمة أن نسلم رقابنا وديننا وأعراضنا لمن لا يرقب فينا إلاً ولا ذمة، بحجة أن لأمريكا أو غيرها مصالح في المعركة؟!
رابعاً: استراتيجيتنا وخارطة الطريق الشرعية
إننا نقتنص الفرصة الميدانية ونستغل هذا الحراك الدولي ضد المشروع الصفوي للتخلص من عدو صال على الحرث والنسل.
زوال أحد العدوين: إن تراجع أو زوال المشروع الحوثي الصفوي على أيدينا لا يعني انتصار المشروع الصهيو-صليبي، بل يعني قطع يدٍ بطشة من أيادي هذا المشروع في منطقتنا. فالصليبية لن ترضى بتمكين مشروع إسلامي راشد، وسيبقى العدو الصهيو-صليبي شاهراً سيفه، لكننا بزوال العدو الداخلي الخائن سنكون أقدر على التفرغ لردعه ومواجهته. أما العلمانية المتهالكة فستنتهي تلقائياً بذهاب رأسها الصليبي.
واجب الوقت: المطلوب اليوم من عقلاء الأمة ليس التنظير البعيد ولا الجلد الذاتي، بل دعم المشروع السني في اليمن، وتوجيهه، وترشيده، والعمل معنا على إيجاد مشروع إسلامي مستقل في قلب هذه المعركة.
إن هناك آلاف المجاهدين والقادة والعلماء والشرفاء في اليمن يؤيدون هذا المشروع المستقل ويثبتون في الثغور؛ وإن كنتم حريصين على اليمن وأهله حقاً، فإننا ندعوكم إلى التعاون المباشر ومدّنا بالمال والإعلام والرأي؛ لنعمل سوياً على استقلالية مشروعنا وتنقيته وترشيده، ليكون التنظير عملاً والجدال فاعلية في صنع الحدث.
النداء الأخير: بادروا بالعمل
يا عقلاء الأمة، نحن إخوانكم، نفهم حقيقة المعركة العالمية ونعلم حجم التشتت؛ ولكن إن وقفتم معنا وأسندتمونا بالمال والمشورة والإعلام، قسماً بمن أحلّ القسم، لنغيرنّ المعادلة للإسلام، ولترونّ منا في أرض اليمن ما رأيتموه من ثبات الأحرار في الشام وأكثر!
ونحن بعدل الإسلام ندعوهم ونتعامل معهم بالعدل إن حكمنا، ولكن طالما هم صائلون، فالواجب هو الدفع والجهاد.







