بينما تستعد الأسر الليبية لاستقبال شهر رمضان، تتراجع القضايا السياسية الكبرى إلى الصفوف الخلفية من الاهتمام الشعبي، لصالح همّ أكثر إلحاحًا وبساطة: كيف يمكن تأمين احتياجات المائدة الرمضانية في ظل ارتفاع الأسعار وشح السيولة وتراجع القدرة الشرائية. ففي ليبيا، يبدو أن السياسة لم تعد أولوية يومية، حتى حين يتعلق الأمر بحادث جلل مثل اغتيال سيف الإسلام القذافي.
خلال أيام قليلة فقط من انتشار خبر مقتله، انصرف المزاج العام سريعًا إلى قضايا المعيشة، وكأن الحدث لم يكن سوى خبر عابر في نشرة مزدحمة بالأزمات. فالمواطن الليبي، الذي يعيش منذ سنوات تحت ضغط اقتصادي خانق، بات يتعامل مع السياسة بوصفها ضجيجًا لا يغيّر واقعه المباشر، بينما تبقى الأسعار والسيولة والخدمات هي المحدد الحقيقي لجودة حياته.
المائدة الرمضانية قبل صندوق الاقتراع
في الأسواق الشعبية بطرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها، لا يكاد الحديث يدور إلا حول أسعار الدقيق والزيت والسكر واللحوم. ومع اقتراب رمضان، تتضاعف المخاوف من موجة غلاء جديدة، في وقت يشكو فيه المواطنون من نقص السيولة في المصارف، وتأثير تعويم الدينار على قدرتهم الشرائية.
هذا الواقع المعيشي الثقيل جعل كثيرًا من الليبيين ينظرون إلى الأحداث السياسية الكبرى بنوع من اللامبالاة الواقعية؛ فالسؤال لم يعد: من يحكم؟ بل: هل أستطيع أن أشتري احتياجات بيتي؟
اغتيال بلا صدى شعبي واسع
يرى عدد من المراقبين أن اغتيال سيف الإسلام لم يحدث الصدمة السياسية المتوقعة، لأن الرجل، رغم رمزيته، لم يكن فاعلًا حقيقيًا في المعادلة الراهنة. فبحسب عضو المجلس الأعلى للدولة علي السويح، فإن سيف الإسلام كان “خارج المعادلة السياسية الفعلية”، ولم يمتلك أدوات ضغط أو حضورًا ميدانيًا مؤثرًا، مقارنة بالقوى المسلحة والسياسية المسيطرة فعليًا على الأرض.
وبالتالي، فإن غيابه لم يغير توازن القوى، ولم يفتح أفقًا جديدًا، وهو ما جعل المواطن يعود سريعًا إلى همومه الأصلية: الأسعار، الرواتب، الخدمات، والأمن المعيشي.
سباق الحكومتين على ودّ المواطن
في المقابل، تحاول الحكومتان المتنازعتان على السلطة استثمار الظرف الاقتصادي لكسب تعاطف الشارع. حكومة “الوحدة الوطنية” في طرابلس تكثف الحديث عن ضبط الأسواق والتسعيرة الجبرية لبعض السلع، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، بينما تعلن قرارات عن منح مالية وقرعة الحج، في محاولة لتقديم نفسها كحكومة “قريبة من الناس”.
وقد بحث رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مع رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة الإجراءات الاقتصادية استعدادًا لرمضان، خاصة ما يتعلق بتوفير السلع الأساسية ومراقبة الأسعار.
لكن كثيرًا من المواطنين ينظرون إلى هذه الخطوات باعتبارها حلولًا مؤقتة، أو رسائل سياسية أكثر منها إصلاحات جذرية، في ظل استمرار الأزمة البنيوية للاقتصاد الليبي.
إحباط سياسي مزمن
المحلل السياسي محمد محفوظ يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الليبيين يعيشون حالة إحباط عميقة تجاه أي إمكانية للتغيير السياسي الحقيقي. فمنذ تعثر انتخابات 2021، لم تعد المبادرات الدولية ولا جهود البعثة الأممية قادرة على إحياء الأمل الشعبي.
حتى عودة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى عقد اللقاءات مع الأطراف الليبية لم تُقابل بتفاعل واسع في الشارع، إذ يرى كثيرون أن هذه اللقاءات تدور في حلقة مفرغة، لا تنعكس على الواقع المعيشي ولا تنهي ازدواجية السلطة.
بين رمزية السياسة وقسوة الواقع
في المقابل، لا يتفق الجميع على التقليل من أثر اغتيال سيف الإسلام. فرئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية أسعد زهيو يعتبر أن الحادث سيترك ظلالًا سياسية مهمة، خاصة مع إعلان نتائج التحقيق، نظرًا لكون سيف الإسلام كان يمثل لدى بعض الليبيين “خيارًا ثالثًا” خارج الاستقطاب الحاد بين شرق وغرب البلاد.
غير أن هذا الرأي يظل نخبويًا أكثر منه شعبيًا. فبالنسبة لغالبية الليبيين، لم يعد الرمز السياسي كافيًا لتغيير المزاج العام، ما دام الخبز مهددًا، والدواء ناقصًا، والدينار ضعيفًا.
ازدواجية سلطة… وازدواجية اهتمام
تعيش ليبيا اليوم تحت حكومتين: حكومة “الوحدة الوطنية” في طرابلس، وحكومة ثانية في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، مدعومة من قائد الجيش خليفة حفتر. لكن هذا الانقسام السياسي لم يعد يشغل المواطن كما كان في السابق؛ فالصراع على الشرعية بات يبدو بعيدًا عن معركة الحياة اليومية.
في النهاية، يمكن القول إن المزاج الليبي الراهن يعكس تحولًا عميقًا في سلم الأولويات: السياسة لم تعد أداة خلاص، بل عبئًا نفسيًا، بينما تحولت المعيشة إلى المعيار الوحيد للحكم على أي سلطة أو حدث. وفي بلد أنهكته السنوات الطويلة من الأزمات، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: من يربح السلطة؟ بل: من يستطيع أن يخفف عبء الحياة؟







