دخلت الساحة السياسية في كوسوفو منعطفاً بالجرأة والخطورة ذاتهما عقب توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة في غضون ثمانية عشر شهراً فقط، في جولة انتخابية مبكرة عكست استعصاءً دستورياً فريداً.
فالأزمة الناشئة عن عجز الجمعية الوطنية في بريشتينا عن التوافق على اختيار رئيس جديد للبلاد خلفاً لفيوسا عثماني قبل المهلة الدستورية دفعت البلاد مجدداً نحو صناديق الاقتراع.
وتؤكد المعطيات أن الاستحقاق لم يكن ترفاً سياسياً بل تجسيداً حياً لعمق الانقسام الذي جعل من الصعب بمكان تكوين ائتلافات حكومية متوازنة وقابلة للحياة والدوام في إقليم ما زال يبحث عن ترسيخ استقراره المؤسسي.
ملامح الخريطة النيابية الجديدة
أظهرت المعطيات الأولية، على وقع فرز الأصوات، احتفاظ حركة تقرير المصير اليسارية برئاسة رئيس الوزراء ألبين كورتي بالصدارة وحصولها على نحو ثلاثة وأربعين بالمئة من الأصوات، متقدمة بفارق مريح على أقرب منافسيها مثل الحزب الديمقراطي الكوسوفي ورابطة كوسوفو الديمقراطية.
ورغم أجواء الابتهاج التي سادت أوساط الحزب الحاكم، فإن تصريحات كورتي اللاحقة بدت محملة بالبراغماتية عبر دعوته للانفتاح والتعاون مع التيارات السياسية الأخرى، إدراكاً منه بأن نفوذه البرلماني تراجع مقارنة بجولة ديسمبر الماضية، وأن معضلة اختيار رئيس للجمهورية تتطلب أغلبية موصوفة تبلغ ثمانين نائباً، وهو ما يفرض على الجميع مغادرة خنادق التشدد والانخراط في صفقات ائتلافية معقدة.
الرصد الإعلامي الخارجي للمشهد
واكبت كبريات وكالات الأنباء والمحطات العالمية مثل “رويترز” و”الصحافة الفرنسية” وشبكة “بي بي إس” تفاصيل الاقتراع، لافتة إلى أن الفجوة الكبيرة بين أعداد الناخبين المسجلين والتعداد الفعلي للبلاد تعود للمشاركة الكثيفة من قبل الجاليات المقيمة في غرب أوروبا، والتي تميل تقليدياً لمساندة كورتي.
وفي حين اتسمت الحملات الانتخابية بالسخونة وركزت على الملفات الأمنية وتطوير القدرات الدفاعية لكوسوفو، حذرت أوساط المعارضة ورئيسة البلاد السابقة من أن استمرار السياسات الصدامية للحكومة قد يضر بمساعي الاندمـاج في حلف شمال الأطلسي “الناتو” ويعطل قنوات الدعم اللوجستي الغربي.
قراءة مراكز الأبحاث والدراسات
أفرد معهد “بالكان إنسايت” للدراسات قراءات مطولة على مسرح التحليل الإقليمي، اعتبر فيها أن اللجوء المتكرر للاقتراع يبرهن على هشاشة التعددية الحزبية وضعف آليات التوافق الداخلي، منبهاً إلى أن هذا التخبط المستمر يشوه الصورة الذهنية لبريشتينا أمام المفوضية الأوروبية ويعيق قدرتها على الإيفاء بالاشتراطات والإصلاحات الهيكلية المطلوبة لنيل العضوية.
وفي السياق ذاته، أشار المحللون في مركز الدراسات الشرقية “أو إس دبليو” إلى أن تشبث الأطراف بمواقفها دون تقديم تنازلات متبادلة يضعف موضع كوسوفو الإستراتيجي، لا سيما في ظل تصاعد حدة التلاسن السياسي والتوترات المستمرة مع بلغراد.
مستقبل التوافق الوطني المأمول
يؤكد هذا المشهد الضبابي في كوسوفو أن إفرازات الصناديق لم تكن كافية بمفردها لإنهاء الشلل الدستوري، بل نقلت المعركة من مراكز التصويت إلى أروقة البرلمان لإيجاد صيغة تسوية عابرة للتحالفات التقليدية.
وسيبقى التحدي الحقيقي أمام النخبة السياسية في بريشتينا كامناً في مدى جهوزيتها لتقديم مصلحة الاستقرار الداخلي على المكتسبات الحزبية الضيقة، لتجنب السقوط في فخ انتخابات رابعة قد تطيح بما تبقى من ثقة شعبية ودولية في قدرة النظام على إدارة الدولة.






