أنقرة – انتهت جولة محادثات استضافتها تركيا الأسبوع الماضي بين ممثلين عن سلطتي شرق ليبيا وغربها دون اتفاق، رغم تركيزها على ملف توحيد المؤسسة العسكرية بوصفه مدخلًا إلى التوحيد السياسي، بحسب ما كشف الأربعاء مسؤول تركي رفيع مطلع على المناقشات، وفق وكالة «فرانس برس».
وأوضح المسؤول أن الاجتماعات عُقدت في أنقرة بمشاركة مسؤولين عسكريين من الطرفين ودبلوماسيين، وتولت تركيا فيها دور الوسيط. وأشار إلى أن الأطراف اتفقت على مواصلة اللقاءات، وأن بلاده تظل الخيار الأول لاستضافة الجولات المقبلة، مع إمكانية عقدها داخل ليبيا. وبيّن أن المناقشات انصبت حتى الآن على الجانب العسكري، على أن يُبحث التوحيد السياسي في مرحلة لاحقة.
وجاءت المحادثات عقب تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال فيها إن الظروف باتت مهيأة لإعادة توحيد السلطتين، ملمّحًا إلى احتمال صدور إعلان قريب، وذلك عقب اجتماع في إسطنبول ضم كبار الدبلوماسيين الأوروبيين وممثلين لقوى إقليمية. وقال فيدان إن من أهم ركائز الوحدة الوطنية كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حاليًا لسيطرة الجانبين تحت مظلة واحدة.
وتملك أنقرة ما يؤهلها لهذا الدور، فهي من الدول القليلة المنخرطة في الملف الليبي التي تحتفظ بعلاقات مع الطرفين. فقد قدمت دعمًا قويًا لسلطات طرابلس خلال سنوات النزاع، ثم حسّنت علاقاتها بسلطات الشرق بعد فترة طويلة من العداء.
وتتحرك تركيا في مسار تتقاطع فيه مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة، اللتين تسعيان بدورهما إلى دفع جهود توحيد ليبيا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا. ويرى مراقب أجنبي أن الموقفين التركي والأميركي متوافقان، وأن التقارب بين أنقرة وواشنطن مستمر. وفي المقابل، يرى أن الاحتكاك المحتمل يتعلق بالأوروبيين المنقسمين بعمق حيال الملف، وخصوصًا فرنسا وإيطاليا، وكذلك روسيا التي يتوقع أن يتراجع نفوذها.
ويضيف الاتفاق البحري عنصرًا آخر إلى المشهد، فقد أقر البرلمان الليبي المتمركز في الشرق الأسبوع الماضي اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعد سنوات من رفضه عند توقيعه للمرة الأولى. وكان الاتفاق قد واجه معارضة من الاتحاد الأوروبي واليونان وإسرائيل ومصر، التي اعتبرته انتهاكًا لحقوقها في البحر المتوسط. وردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاثنين بأن الانتقادات «لا تستند إلى أي أساس مشروع»، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى إلى تسجيل نقاط ضد أي طرف في شرق المتوسط. ويرى محللون أن الإقرار يمنح أنقرة دعمًا سياسيًا أقوى لإجراء المسوحات البحرية والدخول في مفاوضات حول أعمال الاستكشاف.
وتعود جذور الأزمة إلى الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، قبل أن يتكرس الانقسام السياسي والمؤسسي بين الشرق والغرب عام 2014. وفي أبريل 2019 شن الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر هجومًا للسيطرة على طرابلس ثم تراجع لاحقًا. وأفضت جهود الوساطة إلى وقف لإطلاق النار في أكتوبر 2020، ثم إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة عام 2021. لكن تعثر الانتخابات المقررة في ديسمبر من العام نفسه أعاد الخلاف على الشرعية، فاستمرت المواجهة السياسية بين حكومة طرابلس وسلطة منافسة في الشرق، وبقي توحيد المؤسستين العسكرية والسياسية هدفًا للمساعي الدولية.


