تتجه المواجهة بين إريتريا وإثيوبيا نحو منعطف بالغ الخطورة، مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بانتهاك الحدود ودعم الجماعات المسلحة، وتزايد المخاوف من تحول الاشتباكات في إقليم تيجراي إلى حرب مباشرة بين البلدين. وفي خضم هذه التطورات، تتداول تقارير غير مؤكدة رسمياً أن أسمرة طلبت وساطة كينية، واقترحت نشر قوات دولية على الحدود لاحتواء التصعيد عبر وزير خارجيتها عثمان صالح ويمني قبرآب الذي زار العاصمة الكينية نيروبي .
وتتزامن هذه الدعوة مع تحرك إريتري الموثق دوليا والمتمثل في لجوء وزير الخارجية عثمان صالح إلى مجلس الأمن، مطالباً بإدانة ما وصفه بالتهديد الإثيوبي واتخاذ تدابير رادعة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مع طرح أسنرة لمسألتي الوساطة والرقابة الدولية،بشكل يعكس رغبتها في احتواء التوتر وضمان اندلاع حرب بين البلدين ..
تدويل الأزمة
وفي هذا السياق تسعى إريتريا، وفق قراءة حسابات الأزمة، إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. أولها منع إثيوبيا من تحويل تفوقها العسكري إلى تحرك واسع داخل الأراضي الإريترية، خصوصاً بعدما تحدثت أديس أبابا عن دخول قوات إريترية إلى إقليم تيغراي، وهو ما تنفيه أسمرة.
وثانيها نقل المواجهة من المجال العسكري إلى المجال الدبلوماسي، بحيث يصبح أي هجوم محتمل موضع مساءلة دولية، بما يرفع تكلفته السياسية ويزيد الضغوط على الحكومة الإثيوبية. وقد طالبت إريتريا بالفعل مجلس الأمن باتخاذ تدابير رادعة، وإن لم تحدد طبيعة هذه التدابير تفصيلاً.

أما الهدف الثالث فيتعلق بتثبيت مبدأ احترام السيادة والحدود، في ظل مخاوف إريترية من أن تتحول المطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ بحري إلى ضغط عسكري مباشر. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وأصبح الوصول إلى البحر الأحمر أحد الملفات الأساسية في حساباتها الاستراتيجية.
وبالتالي، فإن تدويل الأزمة قد يمنح أسمرة فرصة لاحتواء التهديدات، لكنه لا يعني بالضرورة أنها تسعى إلى تجنب المواجهة بأي ثمن؛ إذ يمكن أن تستخدم الدبلوماسية أيضاً لتحسين موقعها التفاوضي وردع خصمها.
تحفظ إثيوبيا على القوات الدولية
من منظور أديس أبابا، قد يفرض نشر قوات دولية قيوداً على حرية الحركة العسكرية قرب الحدود، خصوصاً إذا ارتبطت مهمتها بمراقبة الانسحابات والتحقق من التحركات الميدانية وإنشاء مناطق عازلة.
وتتهم إثيوبيا إريتريا بإرسال قوات إلى أراضيها، ودعم جماعات مسلحة معارضة، وهي اتهامات تنفيها أسمرة. واستندت الحكومة الإثيوبية إلى حق الدفاع عن النفس في خطابها إلى مجلس الأمن، معتبرة أن التحركات الإريترية تمثل تهديداً لأمنها القومي.
ومن هنا، قد ترى أديس أبابا أن نشر قوات دولية قبل معالجة ما تعتبره انتهاكات إريترية سيؤدي إلى تجميد الوضع الميداني، من دون معالجة مخاوفها الأمنية. كما قد يقيد قدرتها على ملاحقة الجماعات المسلحة أو الرد على أي تحركات عبر الحدود.
لكن لا توجد أدلة كافية للجزم بأن إثيوبيا رفضت رسمياً المقترح الكيني المتداول، أو بأن رفضها المفترض يرجع حصراً إلى رغبتها في الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري. فالموقف الإثيوبي المعلن يرتبط أساساً بما تعتبره دفاعاً عن أراضيها وسيادتها، في حين تبقى تفاصيل أي تفاوض بشأن قوات دولية بحاجة إلى تأكيد رسمي.
البحر الأحمر.. صراع يتجاوز الحدود
لا يمكن فهم الأزمة الإثيوبية الإريترية بعيداً عن الأهمية الاستراتيجية لموانئ البحر الأحمر. فإثيوبيا تسعى إلى تأمين وصول مستدام إلى البحر، بينما ترى إريتريا أن سيادتها على أراضيها وسواحلها ليست مجالاً للمساومة تحت الضغط العسكري.
وتتداخل هذه الخلافات مع الصراع الداخلي الإثيوبي في تيغراي، حيث عادت المواجهات بين القوات الفيدرالية وتحالف تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي. وتتهم أديس أبابا أسمرة بمساندة خصومها، بينما تقول إريتريا إن إثيوبيا تستخدم هذه الاتهامات لتبرير العدوان عليها.
وتزيد التحالفات الإقليمية من خطورة المشهد، مع تقارب إريتريا مع مصر والسودان والصومال في ملفات إقليمية، وتزايد المخاوف من انتقال التنافس على النفوذ والموانئ إلى مواجهة أوسع في القرن الإفريقي. المصدر: رويترز.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة
ويطرح العديد من المراقبون سينريوهات مختلفة للأزمة الإثيوبية الإريترية حيثيتمثل السيناريو الأول: تسوية دبلوماسية تدريجية. يتضمن وقف التصعيد، وإعادة فتح قنوات الاتصال، والاستعانة بالاتحاد الإفريقي أو وسطاء إقليميين، مع بحث آليات لمراقبة الحدود. ويمثل هذا المسار فرصة لتجنب حرب مكلفة للطرفين.

أما السيناريو الثاني فيأتي في إطار مواجهة حدودية محدودة. قد تستمر الاشتباكات والضربات المتبادلة والتحركات العسكرية من دون إعلان حرب شاملة. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
وبموجب الوضع المعقد قد يقفز السيناريو الثالث لصدارة المشهد متمثلا في حرب مباشرة وتدخلات إقليمية. إذا توسعت العمليات داخل الأراضي الإريترية أو الإثيوبية، فقد تتحول الأزمة إلى صراع إقليمي تتداخل فيه حسابات البحر الأحمر والسودان ومصر وقوى دولية أخرى، بما يرفع التكلفة الإنسانية والاقتصادية.
الوساطة و تجنب الحرب؟
من هنا تظل الوساطة الكينية المحتملة، إلى جانب جهود الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، فرصة لاحتواء الأزمة، لكنها لن تنجح بمجرد نشر قوات على الحدود. فالتسوية تحتاج إلى اتفاق واضح بشأن السيادة، والانسحاب العسكري، ودعم الجماعات المسلحة، وضمانات متبادلة تمنع تجدد القتال.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل إن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كانت إثيوبيا ستقبل بقوات دولية أو ما إذا كانت إريتريا ستنجح في تدويل الأزمة، بل قدرة الطرفين على التوصل إلى ترتيبات أمنية تعالج مخاوفهما من دون فرض وقائع بالقوة. فبين طموح إثيوبيا البحري ومخاوف إريتريا من الحرب، قد تتحول الحدود إلى خط احتواء للأزمة، أو إلى شرارة مواجهة جديدة تهدد استقرار القرن الإفريقي بأكمله.


