نشر اللهُ الكريم القبول لعبده خالد فهمي في الأرض، فتصايح الناس في أرجاء الأرض على رحيله تصايح ولدان الإبل عند فراق أمهاتها، وفُجع فيه معاشر المحبين بإخلاص فجيعة أفراخ الطير حين تموت أمامها أمهاتها.
مات خالد فهمي، ولم يعد ثمة مصلحة بينه وبين أحد، ليكتب عنه محبة أو دفاعا، إنما هي فورة الإخلاص والوفاء بحق العشرة والمحبة.
فعَزَّ على بعضهم ممن لا يرحمون حيا ولا ميتا أن يروا عاجل بشرى الله لبعض خلقه، في نثر محبتهم في قيعان الأودية ورؤوس الجبال، فحسدوا خالد فهمي حتى بعد أن لفته الأكفان وطوته جدران القبور والتحفته ألحاد الأرض.
حسدوه حتى بعد أن ترك لهم الدنيا بحلوها ومرها، وهو الذي كان أصلا زاهدا فيها، فما خاصموه عليها إلا وألقاها في أفواههم.
لكن نعوذ بالله من حالٍ يعجز فيه المرء عن طي لسانه، ونعوذ بالله من حال تعجز فيه النفس عن مغالبة شيطانها، فتسير معه طيعة في مراده من تشويه البريء وتقبيح الجميل وتجميل القبيح.
حسدوا خالد فهمي فنسبوه زورا إلى تيارات سياسية، ليُدخلوا سيرة الرجل في معمعة لا يدخلها أحد ويخرج سالما أبدا، مهما كان إخلاصه وسلامه النفسي، وما أرادوا بهذا إلا أن يشوشوا على ثورات المحبة التي أظهرها الله تعالى للرجل في فجاج الأرض.
عاش خالد فهمي رحمه الله لا ينتمي لتيار بعينه، وإنما كان يجل ويوقر كل واحد يرى فيه حبا لبلده ودينه وأمته، مهما كان توجهه الديني أو السياسي، ولقد سمعته مرارا يثني على كثيرين من توجهات مختلفة، ويرى فيهم وفي أخلاقهم من عناصر الجمال ما لا يراه إلا أذكياء الناس.
كان خالد فهمي يتمثل في معاملاته الإنسانية موقف سيدنا المسيح عيسى عليه السلام حين مر بأصحابه على جيفة منتنة، فجعلوا يقولون ما أنتن ريحها ولحمها وغيره من قبيح صفاتها، فسكت ثم قال لهم “ما أجمل بياض أسنانها” فعلمهم أن يبحثوا عن مكامن الجمال في الأشياء.
وهكذا كان خالد فهمي، يبحث عن الحلو في كل واحد ليتوافق معه فيه، فيتواصل مع الناس بما يجمل فيهم، غير مُبال بتوجهاتهم، وكان من أثر ذلك أن كل فئة عرفته حسبته منها لكرم أخلاقه ولوقوفه عند مظنة الحق في أي رأي، غير منتبهين أن خالدا كان وقافا عند مظنة الصواب في الأفكار والمفاهيم وليس عند حاملي أي رأي أو فكر.
عاش خالد فهمي باحثا عبقريا حقق كتاب الثعالبي وهو ابن خمس وعشرين سنة، وعالما جليلا تتهافت المؤسسات الكبيرة والحكومية في مصر وخارجها لاستضافته والتشرف بحضوره لندواتها ومؤتمراتها حتى رمقه الأخير.
عاش خالد فهمي حتى يومه الأخير يجله ويقدره كثير من المسؤولين الحكوميين المصريين الكبار حيث حل، ويفرحون بوجوده، ولو كان الرجل محمولا عليه ما وقروه هذا التوقير وما تهافتوا على حضوره لمناسبات مؤسساتهم ومؤتمراتهم، فقد كانوا يعرفون جيدا قيمته العلمية والأخلاقية؛ وما حضرت له ندوة أو مؤتمرا أو مجلسا علميا أو معرفيا أو وديا إلا كان هو قمر المجالس، يتحدث حوله الجميع، فإذا تكلم خالد فصل القول، وكأنما عنته العرب بمثلها “قطعت جهيزة قول كل خطيب”.
حسدتم الرجل وقلتم “هو مجرد أستاذ جامعة مات، فلم كل هذه الهوجة” وأقول لكم لو أنكم طالعتم إنتاجه العلمي المبارك غزارةً ونوعا لأدركتم أنكم تلعبون بالعلم وأنكم هواةٌ إلى جوار محترف يسمى خالد فهمي، فلم يكن الرجل مجرد حافظ مكرر، بل كان مفكرا ذا بصمة خاصة في باب العلم والفكر، وفوق هذا كله كان خلوقا جام الأدب والمودة إلى الخلق، وهو مَجمع أخلاقي عسير على الضعاف، ومَن جهِل أنكر ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف، وغاية الأمر في هذا الباب ما وصف به أحد الكرام خالد فهمي جريا على توصيف ابن عطاء الله السكندري بعض الكرام من خلق الله، بأنه ضُيق عليه في باب الآماد وفُتح له في باب الأمداد، أي قصر أجله وبورك له في عمله فعاش ستا وخمسين ولكن بلغ فيها ما لا يبلغه أبناء التسعين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما حسدكم لخالد ولكن تجرأتم بنفوسكم الضعيفة على عطاء الله لخالد.
فاتقوا الله وأخرجوا خالد فهمي من نفوسكم الضيقة، فقد كان الرجل توافقيا محبا للجميع، وقافا عند ما يظنه صوابا؛ خوفا من ربه الذي كان يستعد دوما للقائه، لا يجامل أحدا في الحق مهما كان قربه منه، ولا يُعول على مصلحة من أحد.
ولقد صحبته أحد عشر عاما، رزقني الله تعالى فيها مودته وخالص حبه متبادلا بيننا لوجه الله، فما وجدته يوما أثقل عليّ في شيء ولا عرفني لحاجة ولا طلب مني شيئا لا يجوز طلبه _على وجوب التحمل بين الإخوة فهذا حق المودة والأخوة الصادقة_ إنما كان حييا ودودا يعطي أكثر بكثير مما يستقبل، وما وده أحد بشيء إلا تربص أن يرد له الجميل أضعافا.
وأقول لمن ضاقت نفسه وعز عليه أن يرى محبة خلق الله للرجل الذي ترك الدنيا، فجعل يلمز في انتمائه السياسي وينسبه يمينا أو يسارا، ليهون من غلواء محبة الخلق لخالد فهمي ويطفئ فوران مشاعرهم تجاهه.


