في مثل هذا اليوم، 12 رمضان سنة 238هـ، الموافق 25 فبراير 853م، دوّى في سماء مصر حدثٌ يكاد يغيب عن صفحات السرد المدرسي، لكنه لا يغيب عن ذاكرة الأرض.
كانت دمياط على موعد مع امتحان قاسٍ، وكانت المساجد على موعد مع دورها التاريخي.
في عهد الخليفة العباسي المتوكل على الله، حين كانت مصر ولاية ضمن دولة الخلافة، باغت أسطولٌ روماني المدينة الساحلية بهجومٍ خاطف.
قاد الحملة تيودور الرابع، ملك الفرنجة، في غارة مباغتة لا ترحم، استهدفت دمياط وهي آمنة مطمئنة.
دخل المعتدون المدينة دخول العاصفة. نهبٌ واسع، إحراقٌ للمساجد والبيوت والمخازن، اعتداءات فجّة على النساء، ترويعٌ للآمنين، ومشاهد دامية حفرت في الوجدان المصري جرحًا لا يُنسى.
كان العدوان صادمًا في قسوته، فجاء الردّ صاعقًا في سرعته.
من فوق المنابر ارتفع النداء:
حيّ على الجهاد.
النفير.. النفير.
لم يكن النداء مجرد كلمات، بل كان إعلانًا عن هبّة شعبية انطلقت من ساحات المساجد ومنابرها.
انتشر الخبر في الدلتا كما تنتشر النار في الهشيم.
تحرك الناس من القرى والنجوع والمدن، لا ينتظرون جيشًا نظاميًا ولا قرارًا رسميًا.
خرجوا بما توفر في أيديهم: سيوف، سكاكين، عصيّ، وشُوم.
خرجوا دفاعًا عن العرض قبل الأرض، وعن الكرامة قبل المتاع.
آلافٌ تدفقت نحو دمياط، ثم صاروا عشرات الآلاف. مشهد نادر في تاريخ المدن: شعبٌ يتحول إلى جيش، ومساجد تؤدي رسالتها في التعبئة والوعي، وإيمانٌ يتحول إلى قوة دافعة لا تُقهر.
لم يحتمل الروم ضغط المقاومة الشعبية، فتراجعوا مذعورين إلى سفنهم، يلوذون بالبحر هربًا من غضبة مدينةٍ ظنّوها لقمة سائغة.
كانت دمياط يومها عنوانًا لوعيٍ مبكر بأن حماية الوطن ليست مهمة السلطة وحدها، بل مسؤولية مجتمعٍ بأسره.
وكانت المساجد أكثر من دور عبادة؛ كانت منارات هداية، ومراكز توجيه واستنهاض حين تدهم الأخطار.
تلك الصفحة من التاريخ تقول لنا إن مصر، حين تُستفز كرامتها، لا تنتظر طويلًا..
تنهض من محرابها، ومن سوقها، ومن حقولها، لتكتب بيدها سطرًا جديدًا في كتاب الصمود.
…….
المصادر
1- تاريخ الرسل والملوك – الطبري.
2- الكامل في التاريخ – ابن الأثير.
3- البداية والنهاية – ابن كثير.
4- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار – المقريزي.


