في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر، تتوالى الأسئلة حول ما إذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن العقود السابقة، خصوصًا مع امتداد تداعيات الحرب إلى إيران، وتبدل حسابات دول الخليج، وإعادة النظر في طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الحوار، يناقش د. عصام عبد الشافي مع د. خليل العناني أبرز التحولات التي فرضتها هذه التطورات، بدءًا من موقع «طوفان الأقصى» في سياق تاريخي بدأ منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مرورًا بالحرب على إيران وحدود القوة الأميركية، وصولًا إلى مستقبل العلاقات الخليجية مع واشنطن وطهران، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
ويطرح الحوار تساؤلات أساسية حول مستقبل الدور الأميركي، وقدرة إيران على الحفاظ على نفوذها، وما إذا كانت دول الخليج تتجه إلى إعادة بناء منظومتها الأمنية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، فضلًا عن انعكاسات هذه التحولات على شكل النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
س: هل يمثل 7 أكتوبر نقطة تحول تاريخية في المنطقة، أم أنه مجرد حلقة جديدة في سلسلة الأزمات التي شهدها الشرق الأوسط؟
ج: أعتقد أن التفسيرين قائمان في الوقت نفسه. فلا يمكن فصل «طوفان الأقصى» عن السياق التاريخي للصراع العربي الإسرائيلي، ولا عن عقود من الاحتلال والحصار والحروب التي تعرض لها قطاع غزة، فضلًا عن التطورات التي شهدتها الضفة الغربية والقدس.
لكن في المقابل، فإن 7 أكتوبر تحول إلى حدث مؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة. فقد ترتبت عليه تطورات لم يكن كثيرون يتوقعونها، سواء في سوريا أو لبنان أو في العلاقة مع إيران، كما أدى إلى إعادة تموضع عدد من القوى الإقليمية وإعادة النظر في التحالفات القائمة.
ومن هنا، فإن «طوفان الأقصى» ليس مجرد حدث عابر، وإنما نقطة تحوّل ستظل تداعياتها قائمة خلال السنوات المقبلة.
س: عندما نتحدث عن تداعيات 7 أكتوبر، إلى أي مدى يمكن ربطها بالتحولات التي بدأت في المنطقة منذ عام 1979؟
ج: من الصعب فهم المشهد الحالي من دون العودة إلى عام 1979، الذي شهد مجموعة من الأحداث المفصلية، أبرزها الثورة الإيرانية، إلى جانب توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، ووصول صدام حسين إلى السلطة في العراق، والغزو السوفيتي لأفغانستان.
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، وأزمات الخليج، والغزو العراقي للكويت، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، وبعدها ثورات الربيع العربي عام 2011. كل هذه الأحداث أسهمت في تشكيل البيئة التي وصلنا إليها اليوم.
ولذلك فإن «طوفان الأقصى» يمثل حلقة في هذا السياق، لكنه في الوقت نفسه أحدث تسارعًا كبيرًا في عملية إعادة تشكيل المنطقة.
س: وهل يمكن القول إن تداعيات الطوفان ستنتهي بانتهاء الحرب في غزة؟
ج: لا أعتقد ذلك. تداعيات الطوفان تجاوزت حدود قطاع غزة منذ وقت مبكر، وأثرت في ملفات إقليمية متعددة. ما حدث في سوريا، وما تعرض له حزب الله، واستهداف الوجود الإيراني في عدد من الساحات، ثم الانتقال إلى المواجهة المباشرة مع إيران، كلها تطورات مرتبطة بصورة أو بأخرى بالبيئة التي تشكلت بعد 7 أكتوبر.
ولهذا أعتقد أن تداعيات الطوفان ستستمر خلال السنوات المقبلة، وربما حتى نهاية العقد الحالي على الأقل، لأننا لا نتعامل مع أزمة منفردة، وإنما مع إعادة ترتيب لموازين القوى والتحالفات.
س: ننتقل إلى الحرب على إيران.. كيف تقرأ مسار هذه الحرب ونتائجها؟
ج: منذ اليوم الأول كنت أرى أن إيران يمكن أن تتعرض لضربات موجعة، وأن تتعرض بنيتها التحتية لأضرار كبيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستخسر المواجهة استراتيجيًا.
التجارب التاريخية للتدخلات العسكرية الأميركية تظهر أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف السياسية. الولايات المتحدة واجهت صعوبات كبيرة في فيتنام وأفغانستان والعراق، وحتى في الحالات التي حققت فيها نجاحات عسكرية أولية لم يكن تحويل هذا النجاح إلى استقرار سياسي دائم أمرًا سهلًا.
والحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا، لأنها تتعلق بدولة ذات مساحة جغرافية كبيرة، وبنية مؤسسية قوية، وقدرة على إنتاج القيادات، إضافة إلى شبكة واسعة من أدوات النفوذ الإقليمي.
س: ما الذي يجعل إيران مختلفة عن الدول التي خاضت الولايات المتحدة حروبًا ضدها؟
ج: إيران ليست دولة هشة أو فاشلة، بل لديها مؤسسات دولة راسخة، وبنية تنظيمية قوية، وقدرة على إعادة إنتاج القيادات والكوادر حتى في حال تعرض الصفوف الأولى للخسائر.
كما أن موقعها الجغرافي يمنحها عمقًا استراتيجيًا كبيرًا، إلى جانب شبكة من العلاقات والأدوات التي تمتد في محيطها الإقليمي. ولذلك فإن التعامل معها عسكريًا لا يمكن أن يكون مشابهًا للتعامل مع دول شهدت انهيارًا مؤسسيًا أو كانت تعاني من هشاشة داخلية شديدة.
ومن وجهة نظري، حتى إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق مكاسب عسكرية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي على إيران.
س: هل يمكن أن تتحول الحرب إلى مواجهة خليجية إيرانية مباشرة؟
ج: هذا كان أحد المخاوف التي طرحتها منذ بداية الحرب، لأن أخطر سيناريو هو أن يتم دفع دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، بحيث تتحول المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة.
لكن ما شهدناه خلال الأشهر الماضية أظهر أن عددًا من دول الخليج بدأ يعيد حساباته، وظهرت محاولات للوساطة والتهدئة، كما برزت مساعٍ لتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
وهذا مهم؛ لأن دول المنطقة بدأت تدرك أن أي حرب شاملة لن تقتصر آثارها على إيران، وإنما يمكن أن تمتد إلى البنية التحتية والاقتصادات والمصالح الحيوية لدول الخليج نفسها.
س: هل يمكن الحديث عن موقف خليجي موحد تجاه إيران والحرب الدائرة؟
ج: لا. دول الخليج ليست كتلة سياسية واحدة، وهناك اختلافات واضحة في تقدير كل دولة لمصالحها ومخاطرها.
بعض الدول كانت أكثر قربًا من مسار المواجهة، بينما اتجهت دول أخرى إلى محاولة الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران أو لعب دور الوسيط. وهذا التباين يعكس اختلاف الحسابات الخليجية، خصوصًا أن أي تصعيد مباشر مع إيران ستكون له انعكاسات على جميع دول المنطقة، بغض النظر عن مواقفها السياسية.
س: في المقابل، هل دفعت الحرب دول الخليج إلى التمسك أكثر بالمظلة الأمنية الأميركية؟
ج: العلاقة مع الولايات المتحدة عميقة للغاية، وليست عسكرية فقط. هناك ارتباط اقتصادي وأمني وتعليمي ومؤسسي ممتد منذ عقود، كما أن الجيوش الخليجية تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات التسليح والتدريب والخبرات الغربية.
لذلك لا أرى أن هناك اتجاهًا نحو التخلي الكامل والسريع عن الولايات المتحدة. لكن ما أراه هو بداية مراجعة حقيقية للعلاقة، ومحاولة من دول المنطقة لامتلاك قدرات وأدوات ذاتية تمكنها من التعامل مع أي تراجع محتمل في الدور الأميركي.
بمعنى آخر، المسألة ليست «الانفصال عن واشنطن»، وإنما تقليل الاعتماد الكامل عليها.
س: وهل كشفت الحرب بالفعل حدود المظلة الأمنية الأميركية؟
ج: نعم، وهذا من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها. فوجود قواعد عسكرية أميركية كبيرة في الخليج لا يعني أن هذه الدول أصبحت محصنة تمامًا من تداعيات أي مواجهة إقليمية.
والحرب كشفت أن الاعتماد على طرف واحد في توفير الأمن يحمل مخاطر، ولذلك من الطبيعي أن تبدأ دول المنطقة في البحث عن بدائل وشراكات أخرى، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع علاقاتها الدولية.
س: كيف تقرأ التقارب السعودي الإيراني وإعادة تموضع تركيا في المنطقة؟
ج: هذه التطورات جزء من عملية إعادة ترتيب واسعة. الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية كان مؤشرًا مهمًا على رغبة دول المنطقة في تنويع علاقاتها وعدم حصر خياراتها في الولايات المتحدة.
كما أن تحسين تركيا علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر، ثم ظهور ترتيبات وتحالفات جديدة، يعكس محاولة من القوى الإقليمية لإعادة بناء موازينها بعيدًا عن الاصطفافات القديمة.
لكن يجب الحذر في تقييم هذه التحولات؛ فهناك فارق بين التحالف الاستراتيجي والترتيب التكتيكي الذي تفرضه ظروف مؤقتة.
س: هل نحن أمام نهاية النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط؟
ج: لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة. الولايات المتحدة لا تزال لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، ولديها حضور عسكري واقتصادي وسياسي واسع.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل ستظل الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على تحديد شكل الأمن الإقليمي؟ وهنا أعتقد أن الإجابة بدأت تتغير.
المنطقة تتجه تدريجيًا إلى تعدد الشراكات، وإلى محاولة بناء قدرات ذاتية، وإلى الاستفادة من أدوار الصين وتركيا وغيرها. وبالتالي فإن مستقبل المنطقة قد يكون قائمًا على توازنات أكثر تعددًا من السابق.
س: في النهاية، كيف يمكن وصف المرحلة التي دخلها الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر والحرب على إيران؟
ج: نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل حقيقية للنظام الإقليمي. «طوفان الأقصى» كشف هشاشة عدد من الترتيبات التي كانت تبدو مستقرة، والحرب على إيران كشفت حدود القوة العسكرية الأميركية، كما دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتها وحساباتها الأمنية.
والمرحلة المقبلة لن تتحدد فقط بنتائج الحرب العسكرية، وإنما بما ستنتجه من تحولات في التحالفات وموازين القوى وطبيعة العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية. لذلك فإن الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر لن يكون كما كان قبله.
يكشف الحوار أن تداعيات 7 أكتوبر والحرب على إيران تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط. وبينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بحضور ونفوذ واسع، تبدو دول المنطقة أكثر ميلًا إلى تنويع خياراتها، وبناء قدراتها الذاتية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية.
وفي المقابل، تبقى إيران لاعبًا رئيسيًا يصعب تجاوزه، بينما تواصل دول الخليج وتركيا إعادة حساباتها وفق مصالحها الأمنية والاستراتيجية. وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: من ينتصر في الحرب؟ بل أصبح: كيف ستبدو خريطة الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب؟







