في مشهد أشبه بالكوميديا السوداء، يجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويضع على قدمه تليفون مكتبه الذي يتدلى منه سلك سماعته، ليمسك بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يضع قدما على الأخرى، ويتحدث بابتسامة صفراء تملؤها السخرية، مع الأمير تميم بن حمد أمير دولة قطر، كاعتذار عن الاعتداء و الإهانة التي وجهتها طائراته الحربية للدوحة حين قصفت مبانٍ سكنية اجتمع بها عدد من قيادات حركة حماس.
هذه الكوميديا التي دائما ما تفضح عيون الصب حين يهرول يمينا ويسارا باحثا عن عشيقه الذي يتلذذ بتعذيبه، والقرب منه تارة والجفاء تارة أخرى، ظهرت في أحلك صورها، حين هللت وسائل الإعلام القطرية للمنحة الأمريكية التي منحها الرئيس دونالد ترامب لقطر بضمانة أمنية استثنائية، قد تشمل الدفاع عنها عسكريا.

ضمانات موجهة
أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستعتبر أي هجوم على أراضي قطر أو سيادتها أو بنيتها التحتية الحيوية “تهديدًا لسلام وأمن الولايات المتحدة”..وربما الأهم من ذلك، أن الأمر يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تدافع عن قطر عسكريًا.
هذا الأمر كان كفيلا لكي تشعر دولة قطر بالعزة والفخر، وإنها ردت الصاع صاعين لإسرائيل، بل وبدأ الإعلام القطري وعلي رأسه قناة “الجزيرة” في تصوير هذه المنحة بالنصر المبين، فضلا عن تدوينات بعض المؤثرين من الصحفيين الموالين للإعلام القطري التي باتت تعدد مزايا هذه المنحة وعناوين ذلك النصر .
ينص الأمر على أنه “في حال وقوع مثل هذا الهجوم، ستتخذ الولايات المتحدة جميع التدابير القانونية والمناسبة، بما في ذلك الدبلوماسية والاقتصادية، وإذا لزم الأمر، العسكرية، للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة ودولة قطر، ولاستعادة السلام والاستقرار”.
وبحسب التحليل المنشور على شبكة CNN الأمريكية، منح ترامب قطر ضمانة أمنية تُضاهي ضمانات “الناتو”، رغم أن قطر ليست عضوًا في الحلف.
وينص البند الخامس من ميثاق الحلف على أن الدول الأعضاء، مثل الولايات المتحدة، تُوافق على أن أي هجوم مُسلح على إحداها “يُعتبر هجوما عليها جميعا”.

حرب محتملة مع إيران
يقول الكاتب الصحفي محمد الليثي المحلل في الشأن العربي والدولي، إن تصريحات ترامب عن الضمانة الأمنية لقطر ضد أي اعتداء خارجي، جاءت موجهة لدول بعينها غير إسرائيل، مدللا على ذلك بأن نتيناهو اعتذر لقطر عن الاعتداءات الأخيرة، وتعهد بأنها لم تحدث مجددا في المستقبل، وبالتالي لم تأت ضمانة ترامب لقطر إلا بعد انتهاء مهمة تل أبيب في الدوحة.
وأضاف الليثي، أن تصريحات ترامب وتعهده بضمان الدفاع عن قطر ضد أي اعتداءات خارجية، كانت موجهة في الأساس لإيران، ردا على الاعتداءات الإيرانية على القواعد الأمريكية بالدوحة في شهر مايو الماضي خلال ردها على الضربة الأمريكية لمفاعل فوردو الإيراني، ما يوحي بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتجهز مع إسرائيل للدخول في حرب جديدة مع إيران، بعد فشل المفاوضات النووية الأوروبية مع طهران.
ودلل الليثي على قوله بأن الأمر التنفيذي لترامب لا يُلزم بالرد العسكري بقوة في حال تعرض قطر لهجوم خارجي، لكن التعامل مع الهجمات على قطر كتهديدات للولايات المتحدة يُمثل تصعيدًا في التعامل مع هذا الحليف العربي.
ونبه على ما أشارت إليه شبكة CNN الأمريكية، وهو أن ترامب يفعل ذلك بشكل منفرد، من خلال أمر تنفيذي، وهذا مهم لأنه يعني أن هذه ليست معاهدة ملزمة قانونا ومُصدق عليها- أي معاهدة تتطلب توقيع مجلس الشيوخ الأمريكي، ولكن في الواقع وعد يقدمه ترامب مستخدما تصريح منصبه، وهو أمر لن يُلزم به الرؤساء المستقبليون لكن قيام ترامب بذلك بشكل منفرد أمر ملفت للنظر في حد ذاته.
وبحسب شبكة CNN الأمريكية ، يمنح الدستور الأمريكي مجلس الشيوخ صراحة سلطة إبرام المعاهدات، وهو ما تجاوزه الرئيس في أمر خطير كإمكانية إجبار الجيش الأمريكي على الحرب.

علاقات ترامب “الشخصية” مع قطر
وبحسب شبكة CNN الأمريكية يُعيد هذا الوضع أيضًا تسليط الضوء على علاقات ترامب وعائلته المثيرة للجدل مع قطر- وهي دولة سعت بوضوح إلى كسب ود الرئيس الأمريكي.
ويُعدّ قبول الطائرة القطرية أمرا محفوفا بالمخاطر بشكل خاص، نظرًا لتصريح ترامب بأن الطائرة الفاخرة ستُنقل إلى مكتبته الرئاسية بعد انتهاء ولايته، بدلاً من بقائها قيد الاستخدام من قِبل الحكومة الأمريكية.
وفي إبريل، أعلنت منظمة ترامب عن خطط لإنشاء منتجع غولف يحمل علامة ترامب التجارية في قطر، بدعمٍ من شركة يدعمها صندوق الثروة السيادية القطري.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” قبل أسبوعين أن صفقة ترامب المثيرة للجدل لبيع رقائق ذكاء اصطناعي قيمة للإمارات تزامنت بطرق مريبة للغاية مع صفقة مربحة للعملات المشفرة مع الإماراتيين.
ولقد طمس ترامب وشركاته الشخصية بوضوح الخطوط الفاصلة بين الأعمال الحكومية والمصالح الشخصية في الشرق الأوسط.
ونفى البيت الأبيض وجود تضارب في المصالح للصحيفة، قائلا إن ستيف ويتكوف، المفاوض الرئيسي، كان “يعمل مع مسؤولي الأخلاقيات والمستشارين لضمان امتثاله التام”.
ويثير الأمر التنفيذي المتعلق بقطر أيضًا تساؤلات متنوعة، بعضها يتعلق بالصلات بين المنافع الشخصية المحتملة والإجراءات الحكومية الرسمية.






