في الهجرة الشرعية، ترك الأوطان ومفارقة الخلان، والخروج أحيانًا عن الأهل والمال: طاعة لله تعالى وامتثالًا لأمره. وهي نوع عظيم من أنواع التضحية والفداء في سبيل هذا الدين، ولها صور وبواعث متعددة، ولعل من أبرزها ما يلي:
أولا: أن تكون الهجرة انعتاقًا عن الفتنة في الدين، وخروج المرء عن حد استضعاف المتجبرين له وقهرهم بسبب استقامته على نهج رب العالمين.
وفي الأمر بهذا الضرب من الهجرة يقول تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}. قال ابن كثير: “هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم”. وقال الزجاج: “وكذلك يجب على من كان في بلد يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر وينتقل إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته”.
ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، والتي نزلت في جماعة سوَّغوا لأنفسهم ترك الهجرة من مكة، -وقد كانت بلدة لا يمكنهم فيها إظهار الدين- إلى المدينة حيث رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، فتقول لهم الملائكة توبيخًا لهم -حال قبض أرواحهم- في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ فيقولون معتذرين: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عن أنفسنا، وقد كانوا في اعتذارهم ذلك غير صادقين لأن الله وبَّخهم وتوعدهم، وهو سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولذلك استثنى سبحانه عقب هذه الآية الكريمة المستضعفين حقيقة، فقال سبحانه: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}.
ولذلك فقد أجابتهم الملائكة توبيخًا لهم: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم وأنفسكم من الإذلال والقهر؟ ثم ختم ربنا الجليل الآية في بيان حكمهم وعدم قبوله عذرهم فذكر جل اسمه بأن مستقرهم الذي يأوون إليه -نتيجة فعلتهم التي آثروا بها المساكن والأموال وخافوا أن يمنعهم الكفار من التصرف فيها أو أخذها معهم- هو النار، فبئس المرجع والمآب.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة -كما يقول الشعراوي- تنبيهًا على أن مثل هذا القول وتلك الحجة لا قيمة لها؛ “لأن الذي يمسكه مكانه وماله دون الله، إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب. أما الذي يضع منهج الله فوق مكانه وولده وكل شيء، فهذا هو الذي وثق بالله؛ لأنه هو المسبب، وهو مانح ومعطي الأسباب”.
ومن تطبيقات هذا الضرب من الهجرة: هجرة بعض الصحابة الكريم إلى الحبشة في العهد المكي، فإنهم قد خرجوا من مكة فرارًا بدينهم من أذية قريش لهم، كما جاء في خطبة جعفر رضي الله عنه -لما أرسلت قريش في طلب استعادة المهاجرين إلى مكة: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فدعاهم النجاشي إليه حتى يتبين أمرهم ويستمع منهم- فقال رضي الله عنه: “أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – قالت: فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك”.
ثانيا: أن تكون الهجرة خروجًا لتقوية المؤمنين وتمكينهم وتقوية شوكتهم وإقامة دولتهم، سواء أصاحب ذلك تضييق على العبد من المشركين في بلدته التي هو فيها أم لم يصاحب، ومن ذلك هجرة الصحابة الكرام إلى المدينة، فإن من أعظم غاياتها: التمكن من عبادة الله وتعلم دينه بلا حصار ولا تضييق، واتخاذ مرتكز لأهل الإسلام يبلغون من خلاله دينهم ويطبقون فيه شريعتهم، وإقامتهم دولة تنظم شؤونهم وترعاهم وتحميهم وتذود الأشرار عنهم.
وهذا النوع من الهجرة كان في صدر العهد المدني من أكبر الواجبات، فمن أسلم وقتها وجب عليه الخروج إلى المدينة. ومع أن هذا النوع من الهجرة قد توقف بفتح مكة، لقوله ﷺ: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا”. وإنما كان توقفه لانقطاع دواعي الهجرة إلى المدينة وقتها -وإلا فإن الحكم باقٍ ما بقيت حالة كتلك-، إذ عامة الديار التي كان يأتي منها المهاجرون فرارًا بدينهم قد صارت دار إسلام، والمسلمون قد صاروا في المدينة كثرة وصارت لهم شوكة فلم تعد هناك حاجة إلى هجرة غيرهم إليهم نصرةً لرسول الله ﷺ.
وهو ما أوضحه الخطابي بقوله: “كانت الهجرة على معنيين: أحدهما: أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا، وأقاموا في ديارهم بين ظهراني قومهم فتنوا وأوذوا، فأمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ويزول الأذى عنهم. والمعنى الآخر: أن أهل الدين بالمدينة كانوا في قلة من العدد، وضعف من القوة، فكان الواجب على من أسلم من الأعراب، وأهل القرى أن يهاجروا، فيكونوا بحضرة الرسول، ﷺ، وإن حدث حادث، وحزب أمر استعان بهم في ذلك، وليتفقهوا في الدين، فيرجعون إلى قومهم، فيعلمونهم أمر الدين والأحكام، فلما فتحت مكة استغنوا عن ذلك، إذ كان معظم الخوف على المسلمين من أهل مكة، فلما أسلموا أمن المسلمون أن يغزوا في عقر دارهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد، فإن فرضه غير منقطع مدى الدهر، فكونوا مستعدين، لتنفروا إذا استنفرتم، وتجيبوا إذا دعيتم”.
وعليه، فلو عاد الباعث في زمن ما لعاد الحكم على من تتحقق نصرة المسلمين بهجرتهم إليهم، عددًا أو تخصصًا ومهارة، والله أعلم.
ثالثا: أن تكون الهجرة مفارقة لبيئة المبتدعة الزائغين، والعصاة المفسدين، الذين يُضلون المرء ويُقحمونه في مهاوي الزيغ والفساد، واستدل بعضهم لهذا الضرب من الهجرة بقوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}، أخذًا بعمومهما وأنها ليست بخاصة بالهجرة من دار الكفر. قال القرطبي: “وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق. وقاله مالك”. وقال ابن العربي -وهو يعدد أقسام الهجرة-: “الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سُبَّ فيها السلف. وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه، قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}“. وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري: ارحل عن أرض مصر إلى بلادك. فيقول: لا أحب أن أدخل بلادًا غلب عليها كثرة الجهل، وقلة العقل. فأقول له: فارتحل إلى مكة؛ أقم في جوار الله وجوار رسوله؛ فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام. فيقول: وعلى يدي فيها هدى كثير، وإرشاد للخلق، وتوحيد، وصد عن العقائد السيئة، ودعاء إلى الله عز وجل وتعالى… الثالث: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم”.
فالفهري رحمه الله لم يرَ الخروج من دار البدعة متعينًا عليه؛ لأنه كان مستعملًا تقوى الله فيها، قادرًا على إقامة أحكام دينه، والدعوة إلى الحق المحض، وساعيًا في إنكار الزيغ والمنكر، فيزولان بذلك أو يخفان. أما من كانت إقامته في مثل تلك البلدة مدعاة لدخول الزيغ عليه والتلبيس، وسببًا في عدم قدرته على الاعتصام بالكتاب والتمسك بالسنة وإنكار الزيغ والمنكر، فالهجرة -في حال القدرة- عليه واجبة، والله أعلم.
ومن النماذج التطبيقية لذلك، ما جاء في قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل “عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة”.
رابعا: أن تكون الهجرة طلبًا للعلم أو إشاعة للحق وبثًا للخير وتبليغًا لرسالات الله، فخروج المرء من بلدته، ومفارقته لأهله وخلانه، ومكابدته لمشاق الغربة والسفر لتحقيق ذلك من أجل الأعمال وأزكاها، لما في ذلك من التأسي بنبي الله: إبراهيم الخليل، القائل: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
وقد قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. قال القاضي عياض: “هذا أصل في وجوب طلب العلم والرحلة في طلب السنن”.
وقال السيوطي: “وفي الآية إشارة إلى الرحلة في طلب العلم”.
وقال السعدي: “(أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له. وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علمًا ومنحه فهمًا. وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور “.
ومثل الآية الكريمة في التحضيض على الهجرة في طلب العلم، -ومثل طلبه: تبليغه والدعوة إلى العمل به- قوله ﷺ: “ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم، إلا وضعت له الملائكة أجنحتها، رضا بما يصنع”.
وفي استنباطه الفوائد من قصة رحلة موسى إلى الخضر عليهما السلام كي يزداد علمًا، يقول القرطبي: “في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم وذلك كان دأب السلف الصالح وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام”.
ومن أمثلة تطبيقات الهجرة في طلب العلم في هذه الأمة وتبليغه والدعوة إلى الإسلام هجرة مصعب بن عمير إلى المدينة لتعليم الأنصار القرآن والدعاية إلى الإسلام، وما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: “بلغني عن رجل حديثًا سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس رضي الله عنه فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟، فقلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة عراة غرلًا،…”.
ويجمع هذه الضروب كلها، كونها ترضية لله رب العالمين وامتثالًا لأمره الكريم.
فاللهم احفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، واجعلنا من عبادك الطائعين المهاجرين، إنك جواد كريم.
والله الهادي.







