تُسلط التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط خلال عام 2026 الضوء على مأزق استراتيجي عميق يواجه المقاربات التقليدية للغرب حيال الملف الإيراني. وفي هذا السياق، يبرز التحليل الذي قدمه الوزير الأردني السابق موسى المعاني عبر مقاله المنشور في موقع ميدل إيست أونلاين ليفكك بنية الأزمة الإيرانية وابعادها الإقليمية، مشيراً إلى عجز كل من المسارات الدبلوماسية والضربات العسكرية المحدودة عن إحداث تحول بنيوي مستدام في طهران. إن قراءة هذا المشهد تتطلب تجاوز الحلول المؤقتة والمسكنات السياسية، والتركيز على تفكيك أركان السلطة الحاكمة من خلال إشراك القوى المنظمة والفاعلة في الداخل الإيراني.
الأمن القومي العربي في مرمى المخططات الإقليمية
ينطلق التحليل من خبرة سياسية وأمنية عميقة تؤكد أن الأردن والدول العربية المحيطة عانوا طويلاً من تداعيات السياسات الهجومية لنظام الملالي. فلم تقتصر التهديدات على التدخلات السياسية المباشرة، بل امتدت لتشمل استهداف الأمن القومي عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى حرب غير تقليدية تخوضها أذرع النظام على الحدود الشمالية للأردن عبر ضخ أطنان المخدرات والأسلحة وتنشيط خلايا التخريب الداخلي. هذه المعطيات تؤكد أن خطر النظام الإيراني تجاوز الحدود الوطنية ليصبح أشبه بورم سرطاني يهدد استقرار الإقليم بأسره، مما يحتم رؤية عربية ودولية موحدة تقضي بالتعامل مع جذور الأزمة لا مع أعراضها الجانبية.
المأزق الهيكلي: عجز الدبلوماسية والضربات العسكرية
تواجه السياسات الغربية، ولا سيما السياسات الألمانية والأوروبية، مأزقاً هيكلياً نتيجة اختزال الأزمة الإيرانية في ملفات تقنية منفصلة كالبرنامج النووي وانتهاكات حقوق الإنسان، متجاهلة الجذور الأيديولوجية والسياسية للنظام. وفي هذا الصدد، أشار التحليل إلى المواقف التي طرحها السفير الألماني الأسبق لدى أفغانستان وكوريا الجنوبية هانس أولريش سايدت في مؤتمر برلين المعنون بـ “الأزمة في إيران والحل الديمقراطي”، والتي أكدت فشل النهجين العسكري والدبلوماسي في دفع طهران لتعديل سلوكها. كما أثبتت تجارب التدخل العسكري الخارجي في العراق وأفغانستان، وصولاً إلى العمليات الجوية الأخيرة التي قادتها إسرائيل والولايات المتحدة، أن الرهان على القوة الخارجية عاجز عن إحداث تغيير دائم، وأن المحرك الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل.
المقاومة المنظمة وركائز التحول الديمقراطي المستدام
تؤكد الدراسات الميدانية ومراكز الرصد المستقلة أن الحركات الاحتجاجية العشوائية تظل عرضة للتشتت ما لم تستند إلى حاضنة تنظيمية وقيادة مؤسسية راسخة تمتلك تاريخاً نضالياً طويلاً وبرنامجاً سياسياً واضحاً لإدارة المرحلة الانتقالية. إن التغيير الحقيقي يتطلب بُنى معارضة تؤمن بفصل الدين عن الدولة وإرساء أسس جمهورية ديمقراطية. وفي خريطة القوى السياسية المعارضة، يبرز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية كركيزتين أساسيتين تمتلكان الاستمرارية الهيكلية والقدرة التنظيمية على توجيه الحراك الشعبي، فضلاً عن المساهمة الفاعلة في إعادة الاستقرار وحماية أمن الدول العربية.
الضرورة الاستراتيجية: نحو الشراكة مع إرادة الشعب الإيراني
يخلص التحليل إلى أن تجاهل دور المعارضة المنظمة واستمرار التعويل على تسويات دبلوماسية عقيمة يمثلان إهداراً لفرصة تاريخية ودعماً غير مباشر لاستمرار الأزمات الإقليمية. إن الاعتراف بالمقاومة الإيرانية لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل أصبح ضرورة استراتيجية قصوى لحماية أمن الأردن والمنطقة، ودعم النضال المشروع للشعب الإيراني الساعي للحرية والديمقراطية. إن التحرر من حسابات الدبلوماسية التقليدية هو السبيل الوحيد لكسر حلقة التهديدات المستمرة وفتح الطريق أمام مستقبل آمن ومستقر لكافة شعوب المنطقة.







