مقال تحليلى
مع اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، دخل الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب غير المسبوق. غير أن الصورة لم تكن متجانسة؛ فبينما تكبدت العديد من الدول الأوروبية والآسيوية خسائر فادحة جراء ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز، وقفت الولايات المتحدة في الجانب الآخر من المعادلة كواحدة من أكبر المستفيدين من هذه الأزمة.
يمثل هذا التحول تتويجاً لاستراتيجية أميركية بدأت قبل عقد من الزمن مع طفرة إنتاج النفط الصخري. ففي غضون سنوات قليلة، تحولت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط في العالم إلى أكبر منتج، ومن ثم – بفعل الحرب – إلى أكبر مصدر للنفط الخام والمنتجات المكررة على مستوى العالم. هذا التحول الجيوسيرجي أعطى واشنطن سلاحاً اقتصادياً جديداً لم تمتلكه من قبل: القدرة على تعويض نقص الإمدادات العالمية وفرض نفوذها على أسواق الطاقة، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح الشركات الأمريكية وميزان المدفوعات.
على صعيد آخر، أفرزت الحرب طفرة غير مسبوقة في قطاعي السلاح والخدمات المالية. فمع استنزاف مخزونات الذخيرة الأمريكية والإسرائيلية بسبب الاستخدام المكثف للأسلحة الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، وجدت شركات الدفاع الأمريكية نفسها أمام طلب متصاعد دفعها إلى مضاعفة خطوط الإنتاج وتحقيق أرباح تاريخية. وبالتوازي، أدت حالة عدم اليقين العالمية والبحث عن ملاذات آمنة إلى تدفق رؤوس الأموال نحو سندات الخزانة الأمريكية والدولار، ما عزز مكانة العملة الأميركية كلاعب أوحد في أزمة لم يشهد العالم مثلها منذ عقود.
أولاً: قطاع الطاقة – مكاسب قياسية بفضل الإغلاق التاريخي لمضيق هرمز
شكّل قطاع الطاقة الركيزة الأكبر للمكاسب الاقتصادية الأميركية من الحرب. فمع إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز في العالم، قفزت أسعار النفط الخام بشكل حاد، مما أتاح لمنتجين جدد – وفي مقدمتهم الولايات المتحدة – فرصة ذهبية لسد الفجوة.
أرقام صادمة من بيانات الجمارك الأميركية
بحسب حسابات أجرتها وكالة “سبوتنيك” استناداً إلى بيانات الجمارك الأميركية، حققت الولايات المتحدة إيرادات إضافية بلغت 15.12 مليار دولار من صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة خلال شهري مارس وأبريل فقط، مقارنة بمتوسطات ما قبل الحرب. التفاصيل كالتالي:
| النوع | الإيرادات الإضافية في مارس | الإيرادات الإضافية في أبريل | المجموع |
|---|---|---|---|
| النفط الخام | 2.34 مليار دولار | 5.94 مليار دولار | 8.28 مليار دولار |
| المنتجات المكررة | 2.60 مليار دولار | 4.24 مليار دولار | 6.84 مليار دولار |
ارتفعت قيمة صادرات النفط الخام الأميركية إلى 10.71 مليار دولار في مارس، ثم قفزت إلى 17.15 مليار دولار في أبريل، مسجلة أعلى مستوى على الإطلاق. كما زادت قيمة صادرات المنتجات المكررة في أبريل إلى 14.54 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد.
ارتفع متوسط سعر برميل النفط الأميركي من 66.8 دولاراً قبل الحرب إلى 102.2 دولاراً في أبريل، بزيادة بلغت 35.4 دولاراً للبرميل الواحد.
التوقعات طويلة المدى: أرباح تتجاوز 60 مليار دولار
بحسب تقديرات بنك “جيفريز” الاستثماري، من المتوقع أن تحقق شركات النفط الأميركية زيادة في التدفقات النقدية بقيمة 5 مليارات دولار في مارس وحده، بعد ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة 47% منذ بداية الحرب.
أما شركة أبحاث الطاقة “ريستاد”، فقد توقعت أنه إذا استقر سعر النفط عند متوسط 100 دولار للبرميل هذا العام، فستحصل شركات النفط الأميركية على دفعة تصل إلى 63.4 مليار دولار من إنتاجها النفطي.
وصف بنك “غولدمان ساكس” الاضطراب الناجم عن الحرب بأنه أكبر صدمة في إمدادات النفط على الإطلاق، متجاوزاً حظر النفط العربي عام 1973 من حيث التأثير الفوري على تدفقات الخام.
أمريكا تتوج كأكبر مصدر للنفط في العالم
لم تكن الأرباح الإضافية وحدها هي المكسب، بل كان هناك تحول هيكلي في خريطة الطاقة العالمية تمثل في صعود أمريكا إلى قمة الدول المصدرة للنفط، متجاوزة كلاً من السعودية وروسيا.
أرقام التصدير القياسية
-
مايو 2026: صعدت صادرات النفط الخام الأميركية إلى 5.6 مليون برميل يومياً، وهو رقم قياسي جديد، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 5.2 مليون برميل يومياً المسجل في أبريل.
-
إجمالي صادرات النفط الخام والمكرر في مايو: بلغ نحو 10.5 مليون برميل يومياً، متفوقاً على روسيا التي صدرت 7 ملايين برميل يومياً، والسعودية التي هبطت صادراتها إلى 5.9 مليون برميل يومياً فقط (مقارنة بـ 8.1 مليون برميل يومياً في 2025).
-
آسيا في الطليعة: استحوذت آسيا على 2.45 مليون برميل يومياً من الصادرات الأميركية في مايو، بزيادة قياسية من اليابان وحدها بلغت 808 آلاف برميل يومياً، بارتفاع 32% عن الشهر السابق.
-
أوروبا في المرتبة الثانية: استوردت أوروبا 2.4 مليون برميل يومياً، مع تسجيل إيطاليا رقماً قياسياً في الواردات بلغ 335 ألف برميل يومياً.
تحول جيوسياسي دائم
قالت ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات في شركة تحليلات الشحن “كبلر”، إن “واشنطن حصلت على أداة جديدة لم تكن تدرك أنها تمتلكها قبل الحرب: أداة صادرات الطاقة”. وأضافت أن الهيمنة الأميركية الجديدة قد تضعف القوة التسعيرية التي تمتلكها منظمة “أوبك” وحلفاؤها منذ عقود.
وأشار تحليل إلى أن صعود أمريكا إلى قمة الدول المصدرة للنفط يمنح واشنطن سلاحاً نافذاً جديداً في المفاوضات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، بالإضافة إلى هيمنتها العسكرية العالمية ودور الدولار كعملة احتياطية عالمية.
طفرة الأسلحة – أرباح قياسية لشركات الدفاع وطلبيات حكومية غير مسبوقة
شهد قطاع الدفاع الأميركي ازدهاراً غير مسبوق بفعل الحرب، حيث تضاعفت الطلبيات العسكرية وسط الاستنزاف السريع لمخزونات الذخيرة والصواريخ الاعتراضية.
أرقام قياسية من مكتب الإحصاء
-
ارتفعت طلبيات السلع الدفاعية الرأسمالية في مارس بنسبة 26%، ثم واصلت ارتفاعها في أبريل بنسبة 7% إضافية لتصل إلى 22.2 مليار دولار، وهي ثاني أعلى مستوى على الإطلاق في بيانات مكتب الإحصاء الأميركي.
أرباح شركات السلاح الكبرى (الربع الأول 2026)
| الشركة | المبيعات (الربع الأول 2026) | النمو السنوي |
|---|---|---|
| RTX (رايثيون) | 22.1 مليار دولار | ▲ 8.9% |
| لوكهيد مارتن | 18 مليار دولار | مستقر مع طلب متصاعد |
| جنرال إلكتريك للطيران | 12.4 مليار دولار | ▲ 25% |
| نورثروب غرومان | 9.9 مليار دولار | ▲ 4% |
حققت RTX أعلى مستوى من الطلبيات المتراكمة في تاريخها البالغ 271 مليار دولار. وأعلن كريس كاليو، المدير التنفيذي للشركة، أنها تعمل مع وزارة الدفاع (البنتاغون) على تسريع إنتاج الذخائر استجابة للطلب المتزايد الناجم عن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
صفقات أسلحة طارئة بقيمة 8.6 مليار دولار
وافقت إدارة ترامب على صفقات أسلحة طارئة بقيمة تفوق 8.6 مليار دولار إلى إسرائيل وقطر والكويت والإمارات، مستخدمة سلطات الطوارئ لتجاوز مراجعة الكونغرس في خضم الجمود في مفاوضات وقف الحرب. شملت الصفقات:
-
4.01 مليار دولار لقطر: صواريخ وخدمات تجديد لمنظومة “باتريوت” الدفاعية الجوية.
-
992 مليون دولار لقطر أيضاً: أنظمة صواريخ موجهة دقيقة (APKWS).
-
4 مليارات دولار إضافية لأنظمة دفاع وإلكترونيات متطورة لدول الخليج وإسرائيل.
المكاسب المالية والمصرفية – أرباح قياسية من التقلبات
لم تكن قطاعات الطاقة والأسلحة وحدها هي المستفيدة، بل حققت المؤسسات المالية الأميركية أرباحاً هائلة من حالة التقلب الحاد في الأسواق الناجمة عن الحرب.
جي بي مورغان يحقق ثاني أكبر أرباح فصلية في تاريخه
سجّل بنك جي بي مورغان إيرادات بقيمة 11.6 مليار دولار من قسم التداول وحده خلال الربع الأول من 2026، مما ساعد البنك على تحقيق ثاني أكبر ربحية ربع سنوية في تاريخه. كما سجّلت بنوك استثمارية أميركية أخرى قفزات مماثلة، مدفوعة بالتداول المكثف في أسواق النفط والنقد الأجنبي وسط حالة عدم اليقين.
ارتفاعات قياسية في أرباح البنوك الاستثمارية
لم تقتصر المكاسب المالية على البنوك الأميركية فقط، بل امتدت إلى الشركات المالية العالمية التي تمتلك أذرع تداول قوية في أميركا، حيث أعلنت شل عن أرباح قياسية بلغت 6.92 مليار دولار في الربع الأول، بينما قفزت أرباح توتال إنرجيز إلى 5.4 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.
الدولار الأميركي – قوة استثنائية وسط العواصف
مع اندلاع الحرب، تدفقت رؤوس الأموال العالمية نحو الدولار كملاذ آمن، مما عزز مكانته كعملة الاحتياط الأولى عالمياً رغم التحديات الجيوسياسية.
-
ارتفاع مؤشر الدولار: تقدّم مؤشر بلومبيرغ للدولار بنحو 2% منذ بدء القصف الأميركي–الإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير، متفوقاً على معظم العملات الرئيسية الأخرى.
-
الدولار يحوم قرب أعلى مستوى في شهرين وسط توقعات برفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بينما تعاني اقتصادات أوروبا والصين من تباطؤ حاد بفعل صدمة الطاقة.
-
هيمنة الدولار صامدة: خلصت دراسة لمركز “تشاتام هاوس” إلى أن الحرب لم تضعف مكانة الدولار العالمية، وأن صمود العملة الأميركية يعكس بروز أمريكا كأكبر منتج للنفط والغاز والأسلحة، مما يعزل اقتصادها إلى حد كبير عن تداعيات الأزمة. وأضافت الدراسة أن سوق الأسهم الأميركية (S&P 500) انخفض بنسبة أقل من الأسواق الأخرى، في حين ارتفعت عوائد سندات الخزانة بنسبة أقل من مثيلاتها الأوروبية.
-
توقعات بمزيد من القوة: قال مارك ماكورميك، كبير استراتيجيي العملات في بنك “بي إم أو”، إن التضخم الأعلى والنمو الأضعف في بقية العالم سيستمران في خدمة الدولار، حتى بعد انتهاء الحرب، حيث أن ارتفاع أسعار الطاقة يخلق آثاراً تضخمية طويلة الأجل في أوروبا وآسيا تدفع المستثمرين للجوء إلى الأصول الأميركية.
النمو الاقتصادي وسوق العمل – مرونة أميركية مذهلة
على النقيض من بريطانيا التي انكمش اقتصادها في أبريل، أظهر الاقتصاد الأميركي مرونة لافتة في مواجهة صدمة الطاقة.
-
توقعات النمو لعام 2026: تتوقع وكالة “ستاندرد آند بورز” نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.2%، على الرغم من أن الحرب محت توقعات سابقة كانت تشير إلى 2.5%. وتتوقع “ستيت ستريت” نمواً بنسبة 2.3% لعام 2026، وإن كان ذلك بتراجع طفيف بسبب التطورات الجيوسياسية.
-
سوق العمل صامد: أظهرت بيانات مايو أن الاقتصاد الأميركي أضاف 173 ألف وظيفة جديدة، متجاوزاً توقعات المحللين، ومتسارعاً من 115 ألف وظيفة في أبريل، مما يؤكد أن سوق العمل لا يزال قوياً رغم الحرب.
-
التضخم في ارتفاع لكنه مدار: من المتوقع أن يصل معدل التضخم الرئيسي في مايو إلى 4.2%، ارتفاعاً من 3.8% في الشهر السابق، لكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يُتوقع أن يبقي على أسعار الفائدة مع ارتفاع طفيف في نهاية العام. ويرى المحللون أن أمريكا قد تمكنت من تجاوز أسوأ تداعيات صدمة الطاقة بفضل موقعها كمنتج ومصدر رئيسي للنفط.
-
خفض التصنيف الائتماني؟ لم يحدث: على عكس بعض التقارير التي تحدثت عن مخاطر خفض التصنيف الائتماني الأميركي بفعل الحرب، تشير البيانات الفعلية إلى أن الاقتصاد الأميركي لم يشهد انكماشاً في الناتج المحلي، على عكس بريطانيا التي سجلت انكماشاً بنسبة 0.1% في أبريل.
خلاصة تحليلية ومقارنة مع بريطانيا
تكشف المقارنة بين المكاسب الأميركية والخسائر البريطانية من الحرب على إيران عن انقسام جيوسيرجي حاد:
| المؤشر | الولايات المتحدة | بريطانيا |
|---|---|---|
| النمو في أبريل/الربع الثاني 2026 | إيجابي (+2.2% سنوياً) | انكماش (-0.1% شهرياً) |
| صادرات الوقود (أبريل 2026) | 17.15 مليار دولار (رقم قياسي) | واردات بقيمة 7.1 مليار جنيه (أعلى مستوى في 3 سنوات) |
| مكاسب شركات الطاقة | +15 مليار دولار إضافية في شهرين فقط | تراجع الأرباح وارتفاع التكاليف |
| الدولار / الجنيه | ارتفاع 2% مقابل سلة العملات | استقرار مع توقعات بضعف إضافي |
| أرباح البنوك | جي بي مورغان: 11.6 مليار دولار (ربع سنوي) | تراجع متوقع مع ارتفاع تكاليف الاقتراض |
| التضخم | 4.2% (مايو) | 3.8% + توقعات بارتفاع |
بينما تكبدت بريطانيا خسائر فادحة تتمثل في انكماش قطاع الخدمات والترفيه بنسبة 0.2% في أبريل، وارتفاع فاتورة واردات الوقود إلى 7.1 مليار جنيه إسترليني، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع الرابح الأكبر من الأزمة، بفضل ثلاث ركائز أساسية:
-
الطاقة: بصفتها أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، تحولت صدمة الأسعار إلى مصدر دخل إضافي بقيمة 15 مليار دولار في شهرين فقط.
-
السلاح: قفزت طلبيات الدفاع إلى ما يقرب من 22.2 مليار دولار في أبريل، مع صفقات طارئة بقيمة 8.6 مليار دولار.
-
المال: عززت حالة عدم اليقين من جاذبية الدولار والأصول الأميركية كملاذات آمنة، مما أدى إلى ارتفاع مؤشر الدولار بنسبة 2%.
وقد لخّص الرئيس ترامب هذا الواقع في تصريح مثير للجدل يوم 23 مايو، عندما قال إن “العائدات من النفط الفنزويلي عوّضت تكلفة الحرب على إيران بنحو 25 مرة” ، مشيراً إلى أن البنتاغون قدّر كلفة الحملة العسكرية بنحو 29 مليار دولار. بينما تُظهر الأرقام أن أرباح الطاقة الأميركية وحدها خلال شهري مارس وأبريل (15 مليار دولار) غطت أكثر من نصف تلك الكلفة، ليكون الاقتصاد الأميركي – على النقيض من حلفائه الأوروبيين – في موقع المستفيد الأول من صدمة الطاقة العالمية.
ومع استمرار الحرب وارتفاع حالة عدم اليقين، تظل الأنظار متجهة إلى ما إذا كان هذا التحول الهيكلي في خريطة الطاقة والسلاح العالمية سيبقى مكتسباً دائماً للاقتصاد الأميركي، أم أنه قد ينقلب مع انفراج الأزمة وفتح مضيق هرمز مرة أخرى. الأكيد أن الحرب أعادت رسم خريطة الأرباح والخسائر، ووضعت واشنطن في موقع لم تحتله منذ عقود: أكبر مصدر للنفط في العالم، وأكبر مورد للأسلحة للمنطقة، وأقوى عملة احتياطية في أوقات الأزمات.







