عصرٌ مضطرب أنجب تراثًا خالدًا
حين يُذكر العصر المملوكي في مصر والشام، ينصرف الذهن غالبًا إلى السلاطين والأمراء والمعارك والفتن، وإلى دولة قامت على السيف واستمرت قرابة ثلاثة قرون.
لكن وراء صليل السيوف كانت هناك حياة أخرى لا تقل أهمية؛ حياة العلم والكتاب والشعر والتاريخ، كانت القاهرة ودمشق وحلب مراكزها الكبرى، وكانت المدارس والمساجد والخزائن ودور العلم ساحاتها.
واللافت أن العصر الذي ارتبط في كتب الأدب القديمة بمصطلح «عصر الانحطاط»، كان في الحقيقة من أغزر العصور العربية إنتاجًا للتاريخ والتراجم والموسوعات وكتب الأدب والإنشاء.
فقد ورث المماليك عالمًا مضطربًا بعد سقوط بغداد، وواجهوا المغول والصليبيين، لكن مصر والشام تحولا في ظلهم إلى مركز رئيسي للحياة العلمية والثقافية في العالم الإسلامي.
ولذلك فإن الأدب المملوكي لا يصح أن يُختزل في قصائد المديح المتكلفة، ولا أن يُحكم عليه بأنه مجرد صدى ضعيف للعصر العباسي.
إنه أدب عصر طويل متنوع، فيه التقليد والصنعة، وفيه أيضًا البردة، والموسوعات، وكتب التاريخ، والبديعيات، وأدب الرسائل، والتراجم، وفنون الفرجة الشعبية.
القاهرة ودمشق.. عاصمتا الكتاب
كانت القاهرة في العصر المملوكي واحدة من أهم مدن العالم الإسلامي، واستقطبت العلماء والأدباء من مصر والشام والعراق والمغرب والأندلس وغيرها.
كما ظلت دمشق مركزًا علميًا وأدبيًا بالغ الأهمية، وارتبطت المدينتان بحركة واسعة من الرحلة والانتقال والتأليف.
وفي هذا المناخ ازدهرت المدارس، وكثر العلماء والفقهاء والقراء والمحدثون واللغويون والمؤرخون والأدباء، وبرزت طبقة واسعة من الكُتّاب وأصحاب الدواوين.
ولم يكن الكتاب في العصر المملوكي مجرد وسيلة لحفظ المعرفة؛ بل تحول إلى مشروع موسوعي هائل، فظهرت مؤلفات تجمع التاريخ والجغرافيا والأدب واللغة والسياسة والاجتماع، حتى أصبح بعض كتب ذلك العصر خزائن كاملة للمعرفة العربية.
أهم شعراء وأدباء العصر المملوكي
البوصيري.. صاحب البردة
يأتي محمد بن سعيد البوصيري في مقدمة شعراء العصر المملوكي، بل في مقدمة شعراء المديح النبوي في التراث العربي كله.
وشهرته الكبرى ارتبطت بقصيدته «الكواكب الدرية في مدح خير البرية»، المعروفة بـ«البردة»، وهي القصيدة التي تجاوزت حدود عصرها ومصرها، وانتشرت في العالم الإسلامي، واشتغل بها الشعراء شرحًا وتخميسًا وتشطيرًا ومعارضة.
ومن مطلعها:
«أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ»
وتكمن قيمة البردة في بنائها الفني؛ فهي لا تقوم على المديح وحده، وإنما تبدأ بتجربة وجدانية، ثم تنتقل إلى مجاهدة النفس، ثم إلى المدح النبوي، وتستعرض السيرة والمعجزات والإسراء والمعراج والجهاد، قبل أن تنتهي بالمناجاة.
ومن أشهر أبياتها:
«مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ
ـنِ وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ»
وقد أصبحت البردة إحدى أشهر القصائد العربية التي ظلت حية في الذاكرة الثقافية والدينية قرونًا متتابعة.
ابن نباتة المصري.. شاعر البلاغة والإنشاء
جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة المصري أحد أعلام الشعر والنثر في العصر المملوكي، جمع بين قوة الشعر وبراعة الكتابة، واشتهر بغزارة إنتاجه وتنوع أغراضه.
وكانت ثقافته الواسعة واشتغاله بالإنشاء والرسائل سببًا في أن يمثل نموذجًا للأديب الموسوعي الذي جمع بين الشعر والنثر والثقافة البلاغية.
ابن حجة الحموي.. سلطان البديع
يمثل تقي الدين ابن حجة الحموي الاتجاه البديعي الذي ازدهر في العصر المملوكي.
وقد اشتهر بالبديعيات، وهي قصائد تقوم على توظيف فنون البديع والبلاغة داخل بناء شعري واحد. ومن خلال هذا الفن تحولت المحسنات البلاغية من أدوات متناثرة إلى موضوع فني قائم بذاته.
وهنا يمكن فهم أحد أهم ملامح الأدب المملوكي: فالشاعر لم يعد يريد فقط أن يقول المعنى، وإنما يريد أن يثبت قدرته على صياغته بأقصى ما يستطيع من براعة لفظية.
صفي الدين الحلِّي
يعد صفي الدين الحلي من أشهر شعراء العصر المملوكي، واشتهر بقوة الصياغة وكثرة المدائح والمعارضات والبديعيات.
وكان شعره نموذجًا لما وصل إليه الاهتمام بالبديع في ذلك العصر، كما ترك عددًا كبيرًا من القصائد التي تكشف عن تمكنه من اللغة والوزن والقافية.
شمس الدين ابن دانيال.. الأدب خارج القصور
أما شمس الدين محمد بن دانيال الموصلي فيقدم وجهًا آخر للأدب المملوكي.
فقد عاش في مصر، واشتهر بفن خيال الظل، وقدم نصوصًا اقتربت من الحياة اليومية والشخصيات الشعبية، بعيدًا عن المدائح السلطانية والمجالس الرسمية.
وهذا الجانب مهم لأنه يكشف أن الثقافة المملوكية لم تكن حبيسة الدواوين والمدارس، وإنما عرفت كذلك أشكالًا فنية شعبية اتصلت بحياة الناس.
أهم مؤرخي العصر المملوكي
إذا كان الحكم على الشعر المملوكي محل نقاش، فإن مؤرخي ذلك العصر يحتلون مكانة رفيعة لا جدال فيها.
المقريزي.. ذاكرة القاهرة
تقي الدين المقريزي من أعظم المؤرخين الذين عرفتهم مصر.
وفي «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» لم يكتب عن المباني والمساجد والأسواق فقط، وإنما قدم صورة واسعة عن القاهرة ومجتمعها واقتصادها وأحيائها وعاداتها وأزماتها.
أما «السلوك لمعرفة دول الملوك» فهو من أهم المصادر في تاريخ الدولة المملوكية.
لقد جعل المقريزي من المدينة نفسها بطلًا تاريخيًا، وسجل تفاصيل كان يمكن أن تختفي لولا قلمه.
ابن تغري بردي.. تاريخ الملوك والقاهرة
جمال الدين ابن تغري بردي صاحب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، وهو أحد أهم المؤرخين الذين أرخوا للدولة المصرية وسلاطينها وأمرائها وعلمائها.
ويمثل كتابه سجلًا واسعًا للحياة السياسية والاجتماعية والعلمية في مصر.
ابن إياس.. شاهد سقوط دولة
محمد بن أحمد بن إياس من أهم شهود المرحلة الانتقالية بين دولة المماليك والدولة العثمانية.
وفي «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لا نجد أخبار السلاطين وحدها، بل نجد الأسعار، والأوبئة، والمجاعات، والأزمات، وأحوال الناس، والاضطرابات، وتفاصيل الحياة اليومية.
ولذلك فإن ابن إياس ليس مجرد مؤرخ سياسي، وإنما شاهد اجتماعي على واحدة من أخطر التحولات في تاريخ مصر.
النويري والقلقشندي والصفدي
ومن أعلام التأليف المملوكي أيضًا شهاب الدين النويري، صاحب «نهاية الأرب في فنون الأدب»، وشهاب الدين القلقشندي، صاحب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»، وصلاح الدين الصفدي، صاحب الكتب الكثيرة في الأدب والتراجم والتاريخ.
وتمثل هذه الكتب دليلًا واضحًا على أن العصر المملوكي شهد طفرة في التأليف الموسوعي.
لماذا يقال إن الشعر المملوكي هو الأضعف في التاريخ العربي؟
هذه العبارة شائعة، لكنها ليست حكمًا علميًا نهائيًا.
ويرجع انتشارها إلى أن عددًا من النقاد نظروا إلى الشعر المملوكي من زاوية المقارنة مع عصور الشعر الكبرى، خصوصًا الجاهلي والأموي والعباسي.
ففي الشعر المملوكي كثرت المعارضات والتضمينات والاقتباسات، وانتشر شعر المناسبات، والمدائح، والاستجداء، كما غلبت الصنعة البلاغية على جانب كبير من الإنتاج الشعري.
وأصبح الشاعر في كثير من الأحيان شديد العناية بالجناس والطباق والتورية والتورية المركبة والمحسنات المختلفة، حتى بدا أحيانًا أن القصيدة مباراة في المهارة البلاغية أكثر منها تعبيرًا عن تجربة إنسانية.
كما أن التقليد كان واضحًا؛ فالشاعر يستهل قصيدته بمقدمات تشبه مقدمات القدماء، ويجري على أوزانهم وقوافيهم وصورهم، ويستعير معجمهم الشعري.
لكن هل يعني ذلك أن الشعر المملوكي هو «أضعف الشعر العربي»؟
الإجابة: لا.
فهذا حكم مطلق لا ينسجم مع وجود البردة، ولا مع شعر البوصيري وابن نباتة وابن حجة وصفي الدين الحلي وغيرهم.
والأدق أن يقال إن الشعر المملوكي كان أقل تجديدًا في كثير من جوانبه، وأكثر ميلًا إلى الصناعة والتقليد، لكنه لم يكن خاليًا من الإبداع.
بل إن بعض ما اعتُبر عيبًا في الشعر المملوكي، مثل الاهتمام بالبديع، أصبح في الوقت نفسه مصدرًا لابتكار أشكال شعرية كاملة.
البديعيات.. حين أصبحت البلاغة شعرًا
من أبرز ظواهر العصر المملوكي البديعيات، وهي قصائد في المديح النبوي، يضمن الشاعر أبياتها ألوانًا مختلفة من المحسنات البديعية.
فلم يعد الجناس والطباق والتورية مجرد أدوات يستخدمها الشاعر عند الحاجة، بل أصبح استحضار هذه الفنون جزءًا من البناء المقصود للقصيدة.
وقد نظم عدد من الشعراء البديعيات، وفي مقدمتهم صفي الدين الحلي وابن حجة الحموي، وأصبحت هذه الظاهرة واحدة من أشهر سمات الشعر المملوكي.
ومن هنا يمكن القول إن العصر المملوكي لم يكن عصر غياب الابتكار، وإنما كان ابتكاره مختلفًا عن ابتكار الشعراء الأوائل؛ فقد انتقل جانب من التجديد من «الموضوع» إلى «الصناعة الفنية».
نماذج من الإبداع المملوكي
البردة.. قصيدة تجاوزت الزمن
تبقى البردة أقوى حجة في مواجهة الحكم القاسي على الشعر المملوكي.
فهي قصيدة حفظها الناس، وتناقلها العلماء، وشرحها الشراح، وعارضها الشعراء، وترجمت إلى لغات مختلفة.
ومن أبياتها الشهيرة:
«وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى
حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ»
وهنا تتحول تجربة الشاعر مع النفس إلى صورة حسية واضحة؛ فالطفل الذي يعتاد الرضاع يصعب فطامه، والنفس كذلك تستمر في طلب ما تعودته إن لم يقاومها صاحبها.
«صبح الأعشى».. موسوعة الدولة والكتابة
يمثل كتاب القلقشندي نموذجًا آخر للإبداع المملوكي، إذ جمع بين فنون الكتابة الرسمية والتاريخ والجغرافيا وأخبار الدول والقبائل والبلدان، إلى جانب علوم اللغة والإنشاء.
ولذلك فإن «صبح الأعشى» لا يمكن قراءته باعتباره كتابًا في المكاتبات فقط؛ فهو صورة واسعة من صور المعرفة التي كان الكاتب المملوكي مطالبًا بالإحاطة بها.
«نهاية الأرب».. المعرفة الموسوعية
أما النويري فقد جمع في «نهاية الأرب» مواد ضخمة في التاريخ والأدب والجغرافيا والعلوم والآداب والعادات.
وهذا النوع من التأليف يكشف عن عقلية ثقافية مختلفة؛ فالمؤلف لم يعد يكتب كتابًا في موضوع ضيق، وإنما يحاول أن يجمع العالم في كتاب.
«خطط المقريزي».. التاريخ من أسفل
ومن أعظم مظاهر الإبداع التاريخي المملوكي كتاب المقريزي عن خطط القاهرة.
فهو لا يسرد أخبار الحكام فقط، بل ينزل إلى الشوارع والأسواق والمساجد والحرف والسلع والأسعار، ويرصد أزمات المجتمع وتحولاته.
وهذا ما يجعل الكتاب منجمًا للباحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد سجل سياسي.
خيال الظل.. المسرح الشعبي
ومن الإبداع المملوكي الذي يستحق استعادة الضوء فن خيال الظل، خصوصًا أعمال ابن دانيال.
فهذا الفن يقدم شخصيات من الحياة اليومية، ويستخدم الحوار والسخرية والمفارقة والحركة، ويكشف عن قدرة الثقافة المملوكية على إنتاج فنون جماهيرية تتصل بالناس، لا بالطبقة الحاكمة وحدها.
ما الذي يميز الأدب المملوكي؟
يمكن تلخيص أبرز سماته في عدة اتجاهات: كثرة التأليف، وازدهار كتب التاريخ والتراجم، وانتشار الموسوعات، وتقدم فنون الإنشاء والرسائل، وازدهار المدائح النبوية، وكثرة البديعيات، وتداخل الأدب مع التاريخ والجغرافيا والفقه والعلوم، إلى جانب ظهور أشكال شعبية وفنية مثل خيال الظل.
وفي المقابل، كان من أبرز عيوبه الإفراط في التقليد، والتكلف في بعض القصائد، والمبالغة في المحسنات، وكثرة شعر المناسبات والمدائح التي لا تحمل دائمًا تجربة شعرية عميقة.
لكن هذا التفاوت طبيعي في تراث استمر قرونًا، ولا يجوز أن تُقاس آلاف النصوص التي أنتجها عصر كامل بعدد محدود من القصائد الضعيفة.
ليس عصر انحطاط.. بل عصر يحتاج إلى إنصاف
ظُلم الأدب المملوكي حين جرى اختصاره في صورة شاعر يقلد القدماء، ويكدس المحسنات، ويبحث عن عطية من سلطان.
فهذا جانب موجود، لكنه ليس كل الصورة.
الصورة الأخرى أكثر اتساعًا: البوصيري يكتب «البردة» التي تعبر القرون، وابن نباتة يبرع في الشعر والإنشاء، وابن حجة وصفي الدين الحلي يطوران فن البديعيات، وابن دانيال يقترب من المسرح الشعبي، والمقريزي يسجل القاهرة حجرًا وبشرًا، وابن تغري بردي يوثق تاريخ الملوك والعلماء، وابن إياس يقف شاهدًا على سقوط دولة، والنويري والقلقشندي يتركان موسوعات تكاد تختزن عصرًا بأكمله.
لذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نتخلى عن العبارة السهلة: «العصر المملوكي عصر انحطاط».
لقد كان عصرًا ضعفت فيه بعض جوانب الشعر، نعم، لكنه شهد ازدهارًا استثنائيًا في التاريخ والتراجم والتأليف الموسوعي والإنشاء والمدائح النبوية وفنون البديع.
وربما كانت المفارقة الكبرى أن دولة قامت على السيف تركت وراءها تراثًا كان سلاحه الحقيقي هو القلم؛ فالسلاطين والأمراء ذهبوا، وسقطت دولتهم، أما الكتب التي كتبها مؤرخوهم وأدباؤهم فما زالت حاضرة، تحفظ صورة مصر والشام، وتخبرنا أن الحرف قد ينجو من الزمن أكثر مما تنجو الدول





