في زمن كانت فيه المذاهب الأدبية الغربية تتوالد متتابعة، من الكلاسيكية والرومانسية إلى الواقعية والطبيعية والرمزية والوجودية والسريالية، كان السؤال عن موقع الأدب العربي ذي المرجعية الإسلامية يتجاوز حدود الشكل والأسلوب إلى سؤال أعمق: هل يستطيع الإسلام أن يقدم تصورًا متكاملًا للفن والأدب، لا يكتفي برفض ما يخالفه، وإنما يؤسس لرؤية خاصة بالإنسان والحياة والجمال؟
من هذا السؤال خرج الدكتور نجيب الكيلاني بكتابه «الإسلامية والمذاهب الأدبية»، أحد الكتب المبكرة التي حاولت أن تمنح الأدب الإسلامي أساسًا فكريًا ونقديًا، وأن تضعه في مواجهة المذاهب الأدبية التي تشكلت في الغرب.
لم يكن الكيلاني يتعامل مع الأدب الإسلامي باعتباره قصيدة تتحدث عن الصلاة، أو رواية تكثر فيها المواعظ، وإنما كان يبحث عن شيء أعمق: التصور الذي يصدر عنه الأديب، والقيم التي تحكم رؤيته للإنسان، والموقف الذي يتخذه من الخير والشر والحرية والحب والجمال والمجتمع والحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ فهو لا يسأل فقط: ما الأدب الإسلامي؟ وإنما يسأل كذلك: ما الذي يجعل الأدب إسلاميًا؟ وهل يمكن أن يكون العمل الأدبي إسلاميًا في مضمونه ورؤيته، حتى لو لم يحمل شعارات دينية مباشرة؟
تعريف بالكتاب
«الإسلامية والمذاهب الأدبية» كتاب نقدي وفكري للدكتور نجيب الكيلاني، صدر عن مؤسسة الرسالة في بيروت، ومن طبعاته الطبعة الرابعة سنة 1405هـ/1985م، ويقع في 197 صفحة.
ويقوم الكتاب على محاولة تأسيس العلاقة بين الإسلام والأدب من ناحية، ومقارنة التصور الإسلامي بالمذاهب الأدبية الغربية من ناحية أخرى.
ويبدأ الكيلاني من ملاحظة أساسية مفادها أن الدراسات السابقة لم تقدم، في رأيه، تحديدًا كافيًا لمفهوم الفن الإسلامي والأدب الإسلامي في إطار العقيدة الإسلامية، مع إشارته إلى جهود سيد قطب في هذا المجال، وإلى أن اهتمامه شخصيًا بهذه القضية بدأ مبكرًا، ولا سيما منذ دراسته للشاعر محمد إقبال.
ومن هذه النقطة يتسع الكتاب ليبحث في الدين والفن، والحرية والالتزام، ومتعة الأدب، واللغة، والأدب الإسلامي القديم والحديث، ثم ينتقل إلى المذاهب الأدبية الغربية، قبل أن يختم بنماذج تطبيقية من الأدب الإسلامي المعاصر.
تلخيص الكتاب
الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب أن الأدب لا يولد في فراغ، وأن وراء كل مذهب أدبي تصورًا للإنسان والكون والحياة.
فالكلاسيكية لها تصورها، والرومانسية لها تصورها، والواقعية لها تصورها، والوجودية لها تصورها، وكذلك الماركسية والسريالية والفرويدية وغيرها.
وعليه يرى الكيلاني أن الأدب الإسلامي لا ينبغي أن يكون مجرد لون من ألوان الأدب الذي يستعير أشكاله من الآخرين، وإنما أدب ينطلق من رؤية إسلامية للوجود.
ويطرح المؤلف سؤالًا مهمًا: إذا لم يكن لدينا أدب إسلامي كامل يمكن استخراج قواعد «الإسلامية» منه، فمن أين نستلهم هذه القواعد؟
ويجيب بأن المصدر الأساس هو الإسلام نفسه؛ عقيدته وتصوراته وقيمه وموقفه من الإنسان والحياة. وهذا يعني أن الأدب الإسلامي يمكن أن ينمو ويتطور، وأن الأديب المسلم يستطيع أن يبدع في مختلف البيئات والمجتمعات، ما دام يستلهم رؤيته من الإسلام.
ومن هنا تصبح «الإسلامية» في الكتاب مفهومًا فكريًا وجماليًا قبل أن تكون تسمية مدرسية أو مذهبًا أدبيًا بالمعنى التقليدي.
الدين والفن
يبدأ الكيلاني من القضية الأكثر حساسية: العلاقة بين الدين والفن.
ويرى أن الدين والفن لا يقفان بالضرورة على طرفي نقيض، فالفن يتعامل مع النفس الإنسانية والحياة، والدين كذلك يخاطب الإنسان في واقعه ومشاعره وسلوكه.
لكن لكل منهما غايته الخاصة؛ فالفن يمكن أن يجمع بين الإمتاع والإفادة، بينما غاية الدين أوسع، إذ تتصل بإسعاد الإنسان وهدايته وإقامة الحياة على الحق والخير.
ويستشهد الكيلاني بما يزخر به القرآن الكريم من تصوير للنفس الإنسانية، وللصراع بين الخير والشر، ولنماذج البشر ومواقفهم، ليؤكد أن الالتزام الديني لا يعني إلغاء الحياة الإنسانية من الأدب.
وينتهي إلى أن الفن والدين يلتقيان في الدعوة إلى الصدق، وفي السعي إلى الارتقاء بالإنسان وبناء عالم أفضل.
هل هناك خصام بين الفن والدين؟
يناقش الكيلاني فكرة شاعت في بعض البيئات الثقافية، وهي أن الفن لا يستطيع أن يعيش إلا إذا تحرر من الدين والأخلاق.
ويرى أن الخصام بين الفن والدين ليس حقيقة لازمة، وإنما هو خصام مفتعل في كثير من صوره.
فالإسلام لا ينظر إلى الفن بوصفه عدوًا، ولا يحارب الجمال، وإنما يضع للفن إطارًا أخلاقيًا وإنسانيًا يمنع تحوله إلى أداة للابتذال والإفساد.
وهنا يرفض الكيلاني التصور الذي يجعل التحرر من كل قيمة أخلاقية شرطًا للإبداع.
الحرية والالتزام
من أبرز مباحث الكتاب قضية الحرية والالتزام.
ويقرر الكيلاني أن الإنسان المسلم مسؤول عن قوله وفعله، وأن الأديب المسلم لا يستطيع أن يفصل موهبته عن مسؤوليته الأخلاقية والفكرية.
لكن الالتزام، في تصوره، ليس إملاءات خارجية تفرض على الأديب ماذا يكتب وكيف يكتب، وإنما هو التزام نابع من العقيدة والرؤية.
فالأديب حر في اختيار الموضوع والشكل والأسلوب، لكنه لا يرى الحرية انفلاتًا من كل مسؤولية.
وبذلك يحاول الكيلاني أن يقدم مفهومًا مختلفًا للحرية الأدبية: حرية واسعة داخل منظومة من القيم، لا حرية تبرر الإسفاف أو إهانة الإنسان أو تحويل الرذيلة إلى بطولة.
أدب الاستمتاع والفن للفن
لا يرفض الكيلاني الأدب الفكِه أو المسلّي (الكوميدي)، بل يرى أن الأدب يمكن أن يمنح القارئ المتعة، بشرط ألا يتحول الترفيه إلى إسفاف أو فحش.
ومن هنا يناقش شعار «الفن للفن»، ويرفض الفصل التام بين الفن والقيمة الأخلاقية.
فالعمل الأدبي، في رؤيته، يستطيع أن يكون جميلًا وممتعًا، وفي الوقت نفسه يحمل قيمة إنسانية وفكرية.
وهذا الموقف يعكس محاولة لتحقيق التوازن بين الجمال والرسالة، وبين المتعة والمسؤولية.
الالتزام في الأدب العالمي
لا يحصر الكيلاني قضية الالتزام في الأدب الإسلامي وحده، وإنما يضعها في سياق عالمي.
فالإنسان، في رأيه، لا يكتب من فراغ، وكل أديب يحمل تصورًا عن الحياة والإنسان والمجتمع، حتى لو أعلن أنه يكتب بلا التزام.
ويرى أن الالتزام الإسلامي يتجاوز العصبيات الضيقة للجنس والوطن والدم، لأنه يستند إلى منظومة قيم إنسانية عامة.
ومن هنا يرتبط الأدب الإسلامي بقيم العدل والحرية والسلام والكرامة الإنسانية.
الإسلام والأدب
يتناول الكيلاني هنا عددًا من القضايا التي طالما أثارت الجدل حول الأدب الإسلامي، ومن بينها الحب والجنس.
وهو لا يرى أن الإسلام يعادي الحب أو ينكر الغريزة الإنسانية، وإنما يرى أن الإسلام ينظم هذه الغرائز ويمنحها إطارًا يحفظ للإنسان كرامته.
ولهذا يرفض الأدب المكشوف الذي يجعل الإثارة الجنسية غاية فنية في ذاتها.
ويميز كذلك بين حرية الاختيار التي قد تقودها النزوات والانفعالات، وبين الاختيار الذي يضبطه التصور الإسلامي للإنسان ومسؤوليته أمام الله.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الكتاب: الإسلام لا يلغي الطبيعة الإنسانية، وإنما يهذبها ويوجهها.
مشكلة اللغة العربية
يناقش الكيلاني قضية الفصحى والعامية، ويؤكد مكانة العربية الفصحى في الأدب.
وهو لا يرى أن التطور الفني يقتضي التخلي عن الفصحى، بل يميز بين تطور الأشكال الأدبية وبين التخلي عن اللغة العربية الفصيحة.
كما يرى أن الأديب المسلم يستطيع أن يستخدم الأشكال الفنية المختلفة، سواء كانت قصة أو مسرحية أو قصيدة أو غيرها، وأن الشكل ليس إسلاميًا أو غير إسلامي في ذاته، وإنما العبرة بما يحمله العمل من مضمون ورؤية وقيم.
الأدب الإسلامي القديم
ينتقل الكيلاني إلى التراث العربي والإسلامي، ويسأل عن مدى توافق الأدب القديم مع المفاهيم الإسلامية.
ولا يقدم إجابة تقوم على التعميم، وإنما يرى أن حضور القيم الإسلامية في الأدب العربي تفاوت من عصر إلى عصر، ومن شاعر إلى شاعر.
ومع ذلك ظل القرآن الكريم معينًا أساسيًا للغة العربية وللذوق والبيان، كما ظلت أحداث التاريخ الإسلامي مصدرًا واسعًا للأدب، وحضرت قيم الشجاعة والصبر والعدل والصدق والكرم والوفاء في كثير من الأعمال الأدبية.
ومن ثم لا يريد الكيلاني قطع الصلة بين الأدب الإسلامي الحديث والتراث، وإنما يريد إعادة اكتشاف ما في هذا التراث من عناصر يمكن أن تسهم في بناء أدب إسلامي معاصر.
الأدب الإسلامي الحديث
يرى الكيلاني أن الأدب الإسلامي الحديث لم يظهر فجأة، وإنما له نماذج متعددة في الشعر والقصة والمسرح.
ويضع محمد إقبال في مقدمة النماذج التي يستشهد بها، كما يتوقف عند أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد محرّم ومصطفى صادق الرافعي وتوفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير.
ويستشهد بأعمال مثل «وا إسلاماه» لباكثير، و«وحي القلم» للرافعي، وبعض الأعمال المسرحية لتوفيق الحكيم، بوصفها نماذج يمكن أن تدخل في دراسة الأدب الإسلامي الحديث.
واللافت هنا أن الكيلاني لا يجعل الأدب الإسلامي حبيس الشعر الديني، بل يفتح مجاله أمام الرواية والقصة والمسرح وسائر الفنون الأدبية.
المذاهب الأدبية الغربية
يخصص الكيلاني جانبًا مهمًا من الكتاب لاستعراض المذاهب الأدبية الكبرى في الغرب، ويبدأ بالكلاسيكية، ثم الرومانسية، فالواقعية، فالواقعية الاشتراكية، فالطبيعية، ثم «الفن للفن»، والرمزية، والوجودية، والسريالية، والفرويدية.
ولا يقصد من هذا الاستعراض تقديم تاريخ شامل للمذاهب الأدبية بقدر ما يريد توفير أرضية للمقارنة.
فالمذهب الأدبي عنده ليس مجرد طريقة في الكتابة، وإنما تعبير عن فلسفة أو رؤية للإنسان.
وهذا ما يفسر اهتمامه بالمذاهب التي جعلت الإنسان محورًا مستقلًا عن الإيمان، أو ربطته بالمادة، أو بالغريزة، أو باللاوعي، أو بالعبث والقلق الوجودي.
ومن هنا يقارن الكيلاني بين هذه التصورات وبين التصور الإسلامي الذي يرى الإنسان مخلوقًا مكرمًا، مسؤولًا عن عمله، مرتبطًا بربه، وقادرًا على الاختيار والإصلاح.
الفصل الأخير.. نماذج تطبيقية
لا يكتفي الكتاب بالتنظير، وإنما يختم بنماذج تطبيقية من الأدب الإسلامي المعاصر، تشمل الشعر والقصة القصيرة والمسرحية.
وهذه النقلة مهمة؛ لأنها تنقل مفهوم «الأدب الإسلامي» من مستوى التعريف النظري إلى مستوى التطبيق، وتجيب بصورة عملية عن السؤال: كيف يمكن أن يكون النص الأدبي إسلاميًا؟
فالكتاب يريد أن يقول إن الأدب الإسلامي ليس شعارًا يضاف إلى العمل بعد اكتماله، وإنما روح ورؤية تتخللان العمل من داخله.
نجيب الكيلاني.. الكاتب الإسلامي المتخصص
يصعب الفصل بين «الإسلامية والمذاهب الأدبية» وشخصية مؤلفه؛ لأن الكتاب يمثل جانبًا من مشروع أدبي وفكري واسع عاشه نجيب الكيلاني طوال حياته.
الكيلاني طبيب مصري، وشاعر وروائي وقاص وناقد وكاتب في الفكر والثقافة الإسلامية.
ولد في قرية شرشابة بمحافظة الغربية في الأول من يونيو 1931م، وحفظ القرآن في طفولته، ثم التحق بكلية طب قصر العيني، قبل أن يعمل طبيبًا ويسافر إلى الخليج.
وتوفي في القاهرة في 6 مارس 1995م.
لكن أهمية الكيلاني لا تكمن في تعدد مواهبه فقط، وإنما في أنه حاول أن يجعل الأدب نفسه ميدانًا من ميادين التعبير عن الرؤية الإسلامية.
فكتب الرواية والقصة والشعر، كما كتب في النقد والأدب الإسلامي، ومن مؤلفاته في هذا المجال «الإسلامية والمذاهب الأدبية»، و«آفاق الأدب الإسلامي»، و«مدخل في الأدب الإسلامي»، و«نظرية الأدب الإسلامي وتصوراته»، و«المسرح الإسلامي».
وفي الرواية قدم أعمالًا عديدة ذات أبعاد إسلامية وتاريخية وإنسانية، من بينها «ليالي تركستان»، و«عمالقة الشمال»، و«عذراء جاكرتا»، و«عمر يظهر في القدس»، و«رحلة إلى الله»، و«حارة اليهود»، و«حبيبتي سراييفو»، إلى جانب روايات تناولت البيئة المصرية والتاريخ.
وله كذلك دواوين شعرية، وكتب في الثقافة الإسلامية والطب والتراجم، وهو ما يكشف عن شخصية موسوعية لم تنظر إلى الأدب باعتباره حرفة منفصلة عن بقية مجالات المعرفة.
ولهذا ارتبط اسم الكيلاني بصورة خاصة بمشروع الأدب الإسلامي الحديث، حتى وصفه نجيب محفوظ بأنه «منظر الأدب الإسلامي»، وفق ما أوردته سيرته المنشورة.
أهمية الكتاب
تنبع أهمية «الإسلامية والمذاهب الأدبية» من كونه من المحاولات المبكرة لبناء خطاب نقدي إسلامي يتعامل مع الأدب الحديث وأصوله الفكرية.
فالكتاب لا يكتفي بالقول إن هناك أدبًا إسلاميًا، وإنما يحاول الإجابة عن الأسئلة التي تترتب على هذا القول: ما خصائصه؟ وما علاقته بالدين؟ وأين تقف الحرية أمام الالتزام؟ وهل يستطيع الأديب المسلم أن يستخدم الأشكال الأدبية الحديثة دون أن يتخلى عن مرجعيته؟ وكيف يمكن التمييز بين التأثر بالمذهب الأدبي وبين الذوبان فيه؟
كما أن أهمية الكتاب تتصل بقدرته على فتح باب المقارنة بين الأدب الإسلامي والمذاهب الغربية، بدل وضع الأدب الإسلامي في جزيرة منفصلة عن حركة الأدب العالمي.
وهذه نقطة لا تزال حاضرة في النقاش الأدبي المعاصر؛ لأن السؤال عن علاقة الإبداع بالقيم، وعن حدود الحرية الفنية، وعن أثر التصورات الفلسفية في الأدب، لم يفقد راهنيته.
قراءة الكتاب اليوم
بعد عقود من صدوره، يبدو الكتاب مختلفًا في سياقه، لكنه لم يفقد موضوعه
فالأدب اليوم لم يعد محصورًا في الكتاب الورقي أو المجلة الثقافية؛ ظهرت الرواية الرقمية، والنصوص القصيرة، ومنصات النشر الإلكتروني، وأشكال جديدة من السرد، وأصبح الكاتب يواجه جمهورًا واسعًا في لحظة واحدة.
ومع ذلك تبقى الأسئلة التي ناقشها الكيلاني قائمة: ما وظيفة الأدب؟ وهل يمكن فصل الجمال عن القيمة؟ وهل الحرية الفنية تعني التحرر من كل مسؤولية؟ وهل يستطيع الكاتب أن يحمل رؤية دينية دون أن يتحول نصه إلى خطاب مباشر؟
بل ربما ازدادت أهمية هذه الأسئلة في عصر تتسع فيه مساحة النشر، وتتراجع فيه الحدود بين الأدب والإعلام والإعلان ومنصات التواصل.
الكتاب في ميزان الإسلام
تكمن قوة مشروع الكيلاني في محاولته جعل الإسلام مصدرًا للرؤية الأدبية، لا مجرد موضوع أدبي.
وهذا ينسجم مع التصور الإسلامي الذي لا يفصل الإنسان عن مسؤوليته الأخلاقية، ولا يجعل الجمال نقيضًا للحق.
وقد قال الله تعالى: «وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ»، ثم استثنى سبحانه من آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا.
فالقرآن لم يضع الشعر كله في موضع واحد، وإنما ميز بين أثر الكلمة ومسار صاحبها.
ومن هنا يمكن فهم مشروع الأدب الإسلامي على أساس أن الإسلام لا يصادر الموهبة، ولا يعادي الجمال، وإنما يرفض أن تتحول الكلمة إلى وسيلة لإفساد الفطرة أو تزييف الحقائق أو تمجيد الرذيلة.
والأدب الإسلامي، بهذا المعنى، ليس أدب المواعظ وحدها، ولا الأدب الذي يكثر فيه ذكر المصطلحات الدينية، وإنما الأدب الذي تتحول فيه الرؤية الإسلامية إلى موقف من الإنسان والحياة والكون، وتظهر في بناء الشخصيات والأحداث والقيم والصراع والنهاية.
وهذه هي المساحة التي حاول نجيب الكيلاني أن يؤسس لها في كتابه.
الإسلامية والمذاهب الأدبية
«الإسلامية والمذاهب الأدبية» ليس مجرد كتاب في تاريخ المذاهب الأدبية، ولا مجرد دفاع عن الأدب ذي المرجعية الإسلامية؛ إنه محاولة للإجابة عن سؤال ظل حاضرًا في الثقافة العربية الحديثة: هل يستطيع الأديب المسلم أن يدخل عالم الأدب الحديث بكل أدواته وأشكاله، دون أن يفقد مرجعيته؟
كان جواب نجيب الكيلاني واضحًا في جوهره: نعم.
فالإسلام، في نظره، لا يطلب من الأديب أن يتخلى عن الخيال والجمال والمتعة، وإنما يمنحه تصورًا للإنسان والحياة، ويترك له مساحة واسعة للإبداع داخل منظومة من القيم.
ومن هنا تظل قيمة الكتاب في أنه نقل النقاش حول الأدب الإسلامي من مستوى الشعار إلى مستوى السؤال النقدي والفكري، ووضع قضية الأدب في صميم الصراع بين التصورات المختلفة للإنسان.
وهذا هو الإرث الأهم لنجيب الكيلاني: أنه لم يكتب الأدب الإسلامي بوصفه عنوانًا فحسب، وإنما حاول أن يؤسس له نظرية، وأن يقدم له نماذج، وأن يجعل من الأدب ميدانًا حيًا للحوار بين العقيدة والجمال، وبين الحرية والمسؤولية، وبين التراث والعصر.
—————
يسري الخطيب


