– ليس كلُّ عالمٍ قريبٍ من السلطة “عالِمَ سلطان”..
عالِمُ السُّلطان يرفع الحاكم فوق أحكام الشريعة؛ فيُحرِّم ويُحلِّل تبعًا لهوى السُّلطة، ولا يُبصر من الدِّين إلا ما يُبقِيه قريبًا من الحاكم ودوائر النفوذ.
– أما “عالِم الدولة” فينظر إلى مصلحة الدولة واستقرار المجتمع بوصفهما جزءًا من المصلحة الدينية نفسها؛ فقد يقبل ببعض القرارات التي لا يراها مثالية، لا لأنها حقٌّ خالص، بل لأنها في نظره، أخفُّ الضررين، أو وسيلةٌ لمنع فوضى أكبر، أو لحماية مصلحةٍ عامة.
– حين سُئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز، قبيل وفاته، عن فتواه الشهيرة التي أجاز فيها دخول القوات الأمريكية إلى الأراضي السعودية إبّان حرب الخليج عام 1990م، رغم الأحاديث النبوية التي تنهى عن وجود غير المسلمين في جزيرة العرب، قدّم إجابةً تكشف جانبًا عميقًا من رؤيته السياسية والفقهية؛ إذ قال بمعنى كلامه: إن رفضَهم كان سيؤدي إلى إقصائهم، ثم الإتيان بغيرهم ممّن يفتح الباب على مصراعيه، ويُحلِّل ما هو أبعد من ذلك، حتى دخول تلك القوات إلى مكة والمدينة.
– كانت تلك العبارة كاشفةً عن منهجه كله؛ منهجٍ يقوم على حساب الموازنات، ودفع ما يراه الضرر الأكبر بالقبول بما يعتبره ضررًا أخفّ، وهي الرؤية التي صنعت جانبًا كبيرًا من الجدل حوله، كما صنعت في الوقت نفسه، حضوره الواسع وتأثيره العميق في الفقه والسياسة معًا.
– من هذا الباب يمكن فهم تجربة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز؛ فقد كان منحازًا بوضوح إلى الدولة السعودية، ومدافعًا عن بقائها، خاصة في القضايا السياسية الكبرى كحرب الخليج، لكنه عند أنصاره، لم يكن يتصرّف باعتباره “عالِم سلطان”، بل باعتباره “عالِم دولة” يرى أن الحفاظ على الدولة رغم أخطائها، أولى من انهيارها ودخول المجتمع في الفوضى.
– لهذا لا يمكن قراءة تجربة ابن باز بإنصاف دون التمييز بين “عالِم السلطان” الذي يُسخِّر الدين للحاكم، و”عالِم الدولة” الذي يُسخِّر اجتهاده: صوابًا أو خطأً، لحماية الدولة واستقرارها.
– قد نختلف مع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز في كثيرٍ من مواقفه السياسية، وقد نرفض جانبًا من رؤيته لـ«فقه الواقع» وعلاقته بخيارات الدولة السعودية، لكن إنكار مكانته العلمية يبقى ضربًا من المكابرة؛ فقد كان علّامةَ زمانه، وأحد أعظم فقهاء عصره، وصاحبَ مدرسةٍ فقهيةٍ كاملة تجاوزت صورة “المفتي” التقليدي، لتصنع أجيالًا من الدعاة وطلاب العلم، وتؤثر بعمق في تشكيل العقل السلفي الحديث خلال النصف الأخير من القرن العشرين.
– وإذا كانت المدرسة الوهابية قد بدت لأسبابٍ تاريخية وفكرية معقدة، أقلَّ تطورًا في التعامل مع التحولات السياسية والعصرية الحديثة، فإن ذلك لا ينتقص من القيمة العلمية للرجل، الذي امتلك ذاكرةً نادرة، وحضورًا فقهيًا واسعًا، وظلّ صوته حاضرًا في أخطر قضايا الدين والمجتمع والسياسة لعقود طويلة، حتى تحوّلَ (بعينين مُطفأتين) إلى فصلٍ كاملٍ من تاريخ الفقه والدعوة في العصر الحديث، وترك أثرًا لا يزال حيًّا في وجدان الملايين.
(عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز)
– الميلاد: 22 نوفمبر 1912م، الرياض.
– الوفاة: 13 مايو 1999م، مكة.
– كان مبصرًا في أول حياته، وأصابه مرض في عينيه سنة 1928م، وعمره آنذاك 16 عامًا، وظل بصره يضعف تدريجيا، حتى ذهب كله، في عام 1932م، وكان عمره 20 عاما
(مثل الشيخ عبد الحميد كشك الذي كان مُبصرًا حتى الثانوية الأزهرية، وذهاب بصر الشيخ ابن باز وعمره 20 عاما، ينفي الأسطورة الشائعة التي تقول إنه سُئِلَ عن الشيء الذي يتمنى أن يراه لو كان مبصرا، فقال: الإبل، بسبب الآية القرآنية: “أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ”)
– توفي والد ابن باز وهو صغير حيث أنه لا يذكر والده، أما والدته فقد توفيت وعمره 25 سنة، وقد كان في صباه ضعيف البنية، ولم يستطع المشي إلا بعد أن بلغ الثالثة من عمره، وقد أجاد الكتابة والقراءة في صباه قبل أن يذهب بصره، يقول ابن باز: «أنا أقرأ وأكتب قبل أن يذهب بصري، ولي تعليقات على بعض الكتب التي قرأتها على المشايخ مثل الآجرومية في النحو، وغيرها».
– يقول الشيخ ابن باز: “بدأتُ الدراسة من الصغر، فحفظتُ القرآن الكريم على يد الشيخ عبد الله بن مفيرج، ثم بدأت في تلقي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثيرٍ من علماء الرياض”
– عمل في بداية حياته العملية قاضيا، وإماما لأحد المساجد ومُعلّما،
– عُيّنَ ابن باز نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم تولى رئاسة الجامعة بعد وفاة رئيسها محمد بن إبراهيم آل الشيخ، من عام 1971م، إلى 1975م، ونجح ابن باز في التوسع، وتجاوز الحدود الجغرافية، وامتداد الدعوة إلى خارج المملكة العربية السعودية.
– شغل منصب مفتي عام المملكة العربية السعودية من عام 1992م، حتى وفاته في 13 مايو 1999م، بمكة المكرّمة.
– كان رئيسا لهيئة كبار العلماء السعودية، ورئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء، كما رأسَ المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ورئاسة المجمع الفقهي الإسلامي، وشغل مدير الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لخمس سنوات.
– حصل ابن باز على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام سنة 1402هـ/ 1982م
– بلغت مؤلفات الشيخ ابن باز أكثر من 41 كتابًا، في العديد من علوم الشريعة: فقه، وعقيدة، وفتوى، وفِكر إسلامي، والعديد من الردود على المذاهب والفرق الدينية
– ورغم أن نظره إلى “فِقه الواقع” ظلّ محصورًا في المساحات التي انسجمت مع التوجهات السياسية لآل سعود، ومال فيها إلى تبرير كثير من قرارات السلطة الحاكمة، وهو ما خالفه فيه جمهور واسع من المسلمين، ومنهم كاتب هذه السطور، فإن ذلك لا ينتقص من مكانته العلمية ولا من فرادته الفقهية، فقد كان (رحمه الله) عقلًا لامعًا، وفقيهًا متمكّنًا، ترك بصمة واضحة في مسار الفقه الإسلامي في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وأرسى ملامح مدرسة علمية ستبقى حاضرة في الذاكرة الفقهية ما امتدّ الزمان.
– اللهمّ اغفر له وارحمه، واجعل له عندكَ زُلفَى وحُسن مآب.
————————-







