تتقاطع التحولات العسكرية المتسارعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وآسيا الوسطى مع سعي أنقرة الدؤوب لامتلاك قرار سياسي مستقل مدعوم بقوة ردع ذاتية، لتصنع منعطفاً تصنيعياً هو الأبرز في تاريخها متمثلاً في إعلانها منذ ايام عن الصاروخ الباليستي العابر للقارات “يلدريم خان” بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر.
وفي هذا السياق العسكري، يتجلى البُعد التنموي المتسارع فى صناعة السلاح متمثلاً في رغبة الدولة في صون مكتسبات “القرن التركي” وحماية حواضرها السكنية والاقتصادية وحركة ملاحتها في “الوطن الأزرق” من ارتدادات الحروب الإقليمية المحيطة.
وتعتمد تركيا فى ذلك على ذراعها البحثي “توبيتاك ساج” ومجموعاتها العملاقة كـ “روكيتسان” و”أسيلسان”.
هذا الحراك الهيكلي الطموح ينقل العقيدة العسكرية التركية من حقبة الاعتماد المطلق على مظلة الحلفاء الغربيين وحلف الناتو إلى مربع الندّية والاعتماد على الذات.
ويضع ذلك الصناعات الدفاعية الوطنية أمام محك حقيقي لتجاوز معوقات حظر السلاح وتأمين المحركات المحلية، صياغةً لمعادلات قوة جديدة تضمن الأمن القومي للبلاد وتفرض حضورها الجيوسياسي كقوة تكنولوجية وعسكرية حاكمة.
ذروة الطموح
كشفت أنقرة خلال معرض “ساها 2026” للصناعات الدفاعية عن صاروخها الباليستي العابر للقارات “يلدريم خان”، الذي يبلغ مداه 6000 كيلومتر وبسرعة 25 ماخ، لتعلن رسمياً دخولها نادي الكبار في الردع الصاروخي الإستراتيجي.
القرن التركي
يترجم البرنامج الصاروخي المتطور رؤية الرئيس أردوغان المسماة “القرن التركي” لجعل بلاده ضمن أقوى 10 دول عالمياً، مستنداً إلى دروس النزاعات المعاصرة التي أظهرت دور الصواريخ والمسيّرات في صياغة موازين القوى الدولية.
تراجع الثقة
تولدت القناعة التركية ببناء قاعدة تصنيعية مستقلة عقب أزمات حظر السلاح الغربي المتكررة والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيا، مما أثبت لأنقرة أن استقلال القرار السياسي يتطلب بالضرورة كسر الارتهان لمنظومات التسليح الخارجية.
صدمات تاريخية
شكلت رسالة الرئيس الأمريكي جونسون عام 1964 بشأن قبرص، ثم الحظر العسكري الأمريكي عام 1974، صدمات متتالية للمؤسسة العسكرية التركية، مما أضعف موثوقية مظلة حلف الناتو والضمانات النووية الأمريكية المتمثلة بصواريخ “جوبيتر”.
مخاوف الجوار
عززت حرب المدن الصاروخية بين العراق وإيران في الثمانينيات، والنزاعات المتلاحقة بالقوقاز والبلقان، مخاوف أنقرة الأمنية، مما دفعها للتخلي عن عقيدة الدفاع التقليدي وتبني إستراتيجية حيازة قدرات هجومية تكتيكية لفرض كلفة على الخصوم.
عقيدة الإكراه
مثّل شراء صواريخ “أتاكمز” الأمريكية عام 1996 ونشرها على الحدود السورية خلال أزمة 1998 مع سوريا بخصوص المعارض اوجلان وتسليمه نقطة تحول محورية، رسخت لدى القادة الأتراك مفهوم أن الصواريخ الأرض-أرض تشكل أداة ضغط سياسي وإكراه عسكري بالغة الفعالية.
صعود روكيتسان
تأسست شركة “روكيتسان” عام 1988 لتكون العمود الفقري للمنظومة الصاروخية، حيث بدأت بالمشاركة في إنتاج صواريخ “ستينغر” الأوروبية قبل أن تنتقل لتطوير راجمات المدفعية الثقيلة بالتعاون مع مؤسسة الصناعات الميكانيكية الكيميائية الحكومية.
التحالف الصيني
أثمر التعاون التقني مع الصين عام 1997 عن ولادة راجمات “تي آر-300 كاسيرغا” بمدى 100 كيلومتر، والتي جرى تحديث دقتها لاحقاً عبر أنظمة توجيه بالقصور الذاتي والأقمار الصناعية المصنعة محلياً لتدخل الخدمة عام 2016.
البرق والعاصفة
طوّرت الشركة صاروخ “يلدريم” بمدى 150 كيلومتراً، ثم أنتجت جيل “بورا” (خان) بمدى 300 كيلومتر ودقة إصابة عالية، والذي سُجل أول استخدام قتالي له عام 2019 ضد مواقع حزب العمال الكردستاني شمال العراق.
منظومة تايفون
دخلت تركيا فئة الصواريخ التي يتجاوز مداها 1000 كيلومتر عبر طراز “تايفون بلوك 4″، الذي خضع لاختبارات ناجحة فوق البحر الأسود، وبدأ إنتاجه التسلسلي لصالح القوات البحرية لنقل المعارك لعمق أراضي الخصوم.
العقل الرقمي
لعب معهد “توبيتاك ساج” – مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي – دور العقل البحثي بتطوير محركات الدفع النفاث التضاغطي، بينما شكلت شركة “أسيلسان” العين الرقمية للصواريخ عبر توفير الرادارات والباحثات الحرارية وأنظمة التوجيه الدقيق لمواجهة تكتيكات الحرب الإلكترونية.
تكامل المسيّرات
يرتبط المشروع الصاروخي بنموذج حرب شبكي يجمع بين الطائرات غير المأهولة وصواريخ كروز، حيث جرى إنتاج عائلة صواريخ “صوم” المجنحة المدمجة على مقاتلات “قآن” والمسيّرات القتالية مثل “قيزل إلما” و”العنقاء-3″.
عقدة المحركات
ويواجه الطموح التركي معضلة إستراتيجية متمثلة في محاولة توطين صناعة المحركات النفاثة بعد أزمات إلغاء صفقات دولية، ونجحت شركة “كالي جيت” مؤخراً في إنتاج المحرك التوربيني المحلي “كيه تي جيه-3200” لكسر هذا الاحتكار.
ميناء الصومال
وتغلبت أنقرة على ضيق مساحة ميدان اختبارات البحر الأسود بالاستثمار في بناء ميناء فضائي بالصومال أواخر 2024 بكلفة 350 مليون دولار، لإجراء تجارب آمنة للصواريخ العابرة للقارات فوق مياه المحيط الهندي.
وتجاوزت انقرة مرحلة تجميع التكنولوجيا لتدخل طور السيادة التقنية الكاملة والإنتاج الكثيف منخفض الكلفة.
وإن الكشف عن صواريخ باليستية ومجنحة عابرة للمسافات يعكس إدراكاً إستراتيجياً عميقاً بحتمية الردع الذاتي لحماية مصالح الطاقة في “الوطن الأزرق” وتأمين “الممر الأوسط” الرابط بين آسيا وأوروبا.
ورغم التحديات اللوجستية المرتبطة بسلاسل التوريد الدقيقة وحاجة المنظومة لشبكات استطلاع فضائي متكاملة، فإن الإصرار التركي على توطين المعرفة المصرفية والعسكرية يؤسس لواقع جيوسياسي جديد، تفرض فيه أنقرة نفسها كلاعب إقليمي مستقل وقادر على حماية أمنه القومي بأسلحة وطنية الصنع في بيئة دولية مضطربة لا تعترف إلا بالقوة.
المصدر: وكالات- الجزيرة


