منذ فجر الأحد السابع من ديسمبر 2025، خرجت بنين من صورة “الديمقراطية الهادئة” إلى مشهد الانقلابات الصريح، مع ظهور مجموعة من الضباط على شاشة التلفزيون الرسمي يعلنون عزل الرئيس باتريس تالون وتولي “اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس” بقيادة قائد الانقلاب المقدّم باسكال تيغري زمام السلطة، وهي المحاولة التي فشلت في عزل الرئيس وحكومته .
المفارقة أن الانقلاب المعلن يأتي قبل أشهر قليلة من نهاية المأمورية الثانية والأخيرة لتالون، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل جاءت الحركة العسكرية لتمنع انتقالاً انتخابياً منحرفاً سلفاً، أم لتقتنص لحظة الغموض وتحوّلها إلى فرصة لاستيلاء فئة من الضباط على الحكم؟
فشل انقلاب بنين
وخلال سنوات تالون العشروفقا لتغريدة للخبير الموريتاني في الشئون الافريقية سلطان البان ، راكمت بنين مؤشرات نمو اقتصادي واستقطبت ثناءً دولياً على الاستقرار والحوكمة الاقتصادية، لكنها في المقابل شهدت تضييقاً متصاعداً على المعارضة، من خلال الملاحقات القضائية وإعادة هندسة المنظومة الانتخابية، وصولاً إلى إقصاء الحزب المعارض الرئيسي من سباق 2026 لصالح “معارضة معتدلة” أقرب إلى السلطة.
وبحسب التعديل الدستوري الأخير الذي مدّد الولاية من خمس إلى سبع سنوات، مع استثناء الرئيس الحالي من الاستفادة منه، بدا محاولة وفقا للبان لصناعة نظام ما بعد تالون يضمن استمرار نفوذ معسكره تحت رئاسة حليف، أكثر منه خطوة إصلاح مؤسسي محايد، ما عمّق شعور الانسداد لدى خصومه.

وفي هذا السياق، يصبح خطاب “إعادة التأسيس” الذي ترفعه المجموعة العسكرية تمظهراً جديداً لسردية متكررة في غرب إفريقيا: جيش يبرّر تدخله بأنه تصحيح لمسار ديمقراطي مخطوف أو رد على فساد وتغوّل السلطة المدنية.
غير أن التجارب القريبة في مالي والنيجر وغينيا‑بيساو تكشف أن العسكر نادراً ما يكتفون بدور “المصحّح” المؤقت؛ إذ يتحول المجلس العسكري سريعاً إلى مركز سلطة جديد، يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويعيد إنتاج نفس أمراض الإقصاء،
وساطة إقليمية
ولكن بثياب جديدة وشعارات وطنية سيادية. بنين، إذا ما انزلقت إلى هذا المسار، ستفقد أحد آخر النماذج التي كان يُستشهد بها في أدبيات الانتقال الديمقراطي في إفريقيا الفرنكوفونية.
إقليمياً، يضع التطور الجديد الإيكواس أمام معضلة إضافية؛ فالاتجاه العقابي الصارم تجاه انقلابات الساحل لم ينجح في عكس المسار، بينما الانقسام بين دول المنظمة نفسها إزاء بعض المجالس العسكرية أضعف قدرتها على الردع.
فأية عقوبات قاسية على بنين، الواقعة في قلب ممرات التجارة والهجرة ومكافحة التهديدات الجهادية الممتدة من بوركينا فاسو والنيجر، قد تؤثر سلباً على الأمن الجماعي وتزيد من هشاشة الحدود، الأمر الذي يفتح الباب لتدخلات أوسع من شركاء دوليين متنافسين.

ومن المهم الإشارة إلي أن أمام بنين اليوم ثلاثة اختبارات كبرى: قدرة النخب المدنية والعسكرية على احتواء المحاولة دون الغرق في تصفية حسابات واسعة داخل الجيشخصوصا بعد فشل الانقلاب ؛ واستعداد السلطة لإعادة فتح المجال السياسي عبر انتخابات ذات مصداقية؛ ونجاعة الوساطة الإقليميةفي وأد الانقلاب كما جري .
في هذا السياق فإن نجاح هذه الاختبارات، ولو جزئياً، هو ما سيحسم ما إذا كان ما جرى سيُسجَّل باعتباره محاولة انقلاب عابرة تسرّع إصلاح المسار، أم بداية فصل جديد من عسكرة السياسة في واحدة من آخر الديمقراطيات الهشة في غرب إفريقيا


