تقترب منظومة المساعدات الإنسانية في السودان من اختبار حاسم، بعدما حذرت منظمة الهجرة الدولية من أن مخزونات الإغاثة الطارئة التي يوفرها «الممر الإنساني المشترك» قد تنفد خلال أقل من أسبوعين، في وقت تتراجع فيه موارد وكالات الإغاثة بينما تتسع رقعة الاحتياجات الناجمة عن الحرب والنزوح والجوع والجفاف.
وقالت المنظمة، خلال إحاطة للأمم المتحدة في جنيف في 18 سبتمبر، إن الممر الإنساني المشترك، الذي يوفر مواد الإيواء والمواد غير الغذائية ومستلزمات النظافة لأكثر من 100 شريك إنساني، وصل منذ إطلاقه في يوليو 2023 إلى نحو 2.84 مليون شخص. وحذرت من أن مخزون المساعدات سيتوقف عن تلبية الاحتياجات خلال أسبوعين، بينما لا تكفي الموارد المتاحة للحفاظ على القدرة التشغيلية للممر ومستودعاته إلا حتى ديسمبر المقبل.
وتحتاج منظمة الهجرة الدولية إلى 15 مليون دولار للحفاظ على الحد الأدنى من قدرة الممر لمدة عام، وهو مستوى يستهدف نحو 305 آلاف شخص. وترتفع الاحتياجات إلى 27 مليون دولار لاستعادة مستوى المساعدات الذي كان متاحًا في 2025 والوصول إلى نحو 570 ألف شخص، بينما يتطلب توسيع القدرة للوصول إلى ما يصل إلى مليون شخص نحو 42 مليون دولار.
وقال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة في السودان، خلال الإحاطة نفسها، إن تمويلًا آمنًا لم يكن قد تأكد حتى ذلك الوقت، رغم استمرار الاتصالات مع عدد من المانحين وبحث خيارات تشمل التمويل النقدي والتبرعات العينية. وتكمن خطورة الموقف، وفق المنظمة، في أن فقدان القدرة التشغيلية والمخازن لن يمكن تعويضه سريعًا بمجرد توفر الأموال لاحقًا، إذ ستحتاج إعادة بناء المنظومة إلى وقت وتكلفة إضافية.
وتأتي هذه التحذيرات بينما لا يزال السودان يضم واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. ووفق أحدث لقطة منشورة من مصفوفة تتبع النزوح التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، والتي تغطي الفترة من يوليو إلى نهاية يوليو 2026، بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 8.62 مليون شخص في 185 محلية عبر الولايات الـ18، بينما بلغ عدد العائدين نحو 4.93 مليون شخص في 76 محلية بتسع ولايات. وتشير البيانات إلى أن 82% من العائدين كانوا قد نزحوا داخليًا، مقابل 18% عادوا من خارج السودان.
ولا تعني هذه العودة أن الأزمة الإنسانية تتراجع بالضرورة. فالأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة تحذر من أن مناطق العودة تعاني في كثير من الحالات من ضعف الخدمات الأساسية، بينما يستمر النزوح الجديد من دارفور وكردفان ومناطق أخرى إلى مناطق أكثر أمنًا نسبيًا، وهو ما ينقل الضغط من مناطق القتال إلى المدن والمجتمعات المضيفة.
وفي شمال دارفور، وصل أكثر من 2300 شخص إلى منطقة طويلة منذ بداية سبتمبر، بحسب تنسيقية النازحين واللاجئين في دارفور. وقالت التنسيقية إن 402 أسرة، تضم 2305 أشخاص، وصلت إلى المنطقة خلال الشهر، معظمهم من النساء والأطفال، بينما تواجه مراكز الاستقبال والمخيمات نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب والمأوى والرعاية الصحية.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط على طويلة، التي أصبحت واحدة من أكبر تجمعات النازحين في دارفور. وخلال زيارة حديثة، قال كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، إن المنطقة تستضيف قرابة مليون شخص، وإن البرنامج يقدم مساعدات غذائية لنحو 950 ألف شخص شهريًا، لكن بنصف الحصة الغذائية فقط، أي ما يكفي لنحو أسبوعين.
وأضاف سكاو أن دارفور تشهد ظروف جفاف هي الأسوأ منذ عام 1984، رغم أن المنطقة تمر بموسم الأمطار، محذرًا من تأثير ذلك على الزراعة والثروة الحيوانية خلال الأشهر المقبلة. وربط المسؤول الأممي بين تراجع المساعدات وتدهور الإنتاج الزراعي، معتبرًا أن اجتماع العاملين قد يزيد الضغوط على السكان الذين يعتمدون في الوقت نفسه على الإنتاج المحلي والمساعدات الغذائية.
ولا يقتصر نقص التمويل على المساعدات اللوجستية أو مواد الإيواء. فقد حذر برنامج الأغذية العالمي في أعقاب زيارة سكاو للسودان من أن عملياته تعاني نقصًا حادًا في التمويل، وأن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد، بينهم نحو خمسة ملايين في مستويات طوارئ غذائية، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع وفق توصيف البرنامج.
وقال سكاو إن البرنامج يصل حاليًا إلى ما بين أربعة وخمسة ملايين شخص شهريًا، بينهم نحو 2 إلى 2.5 مليون في المناطق الأصعب وصولًا، لكنه حذر من اضطراره إلى تقليص عملياته بصورة كبيرة خلال أسابيع إذا لم يتوفر تمويل إضافي. وبحسب رويترز، حصل البرنامج على نحو 206 ملايين دولار للسودان خلال العام الحالي، مقابل 645 مليون دولار في العام السابق، ويحتاج إلى ما يقارب 300 مليون دولار للحفاظ على عملياته الحالية.
وتظهر آثار نقص التمويل بصورة واضحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، التي تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين القادمين من مناطق القتال. وكان برنامج الأغذية العالمي قد حذر في يوليو من أن مخزونات الغذاء في السودان كانت مهددة بالنفاد بشدة في سبتمبر، وبالنفاد الكامل في أكتوبر وفق خطط العمليات القائمة آنذاك، مع حاجة البرنامج إلى 646 مليون دولار لتغطية عملياته بين يونيو ونوفمبر والوصول إلى 8.5 مليون شخص.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مشكلة الوصول إلى المحتاجين قائمة إلى جانب نقص التمويل. وقال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي أصبح يمتلك حضورًا وقدرة تشغيلية في مناطق عدة، لكن نقص الأموال يمنعه من استخدام هذه القدرة بالكامل، مشيرًا إلى أن العمليات تتأثر أيضًا بالقيود الأمنية وإجراءات الحصول على التصاريح وصعوبة عبور خطوط القتال.
وتوضح هذه الصورة أن أزمة المساعدات في السودان لم تعد مرتبطة بعامل واحد. فالحرب تعيد توزيع السكان وتقطع طرق التجارة، بينما يؤدي تدهور الاقتصاد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة إلى زيادة تكلفة إيصال الغذاء، في وقت تضغط فيه اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر على حركة الواردات، ويهدد الجفاف في دارفور الإنتاج الزراعي ومصادر رزق السكان.
كما أن حجم الاحتياج يتجاوز قدرة المنظمات على تغطيته بالموارد الحالية. وتقدر خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مع استهداف نحو 20.4 مليون شخص بالمساعدة، فيما تبلغ الاحتياجات التمويلية نحو 2.9 مليار دولار. وأظهرت آخر البيانات المرجعية المتاحة للأمم المتحدة في يوليو أن الخطة كانت قد تلقت نحو 930 مليون دولار، أي أقل من ثلث المطلوب في ذلك الوقت.
ويضاف إلى ذلك أن العودة إلى المناطق التي هدأ فيها القتال نسبيًا لا تعني عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب. فبيانات منظمة الهجرة الدولية تظهر أن ملايين الأشخاص عادوا إلى مناطقهم أو مجتمعاتهم، لكن العودة تجري في بلد تضررت فيه شبكات المياه والصحة والتعليم والكهرباء والأسواق، فيما تستمر حركة النزوح من مناطق أخرى أشد اضطرابًا.
وبذلك، تقف الاستجابة الإنسانية في السودان أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تأمين شحنات غذاء أو خيام جديدة؛ فاستمرارها يتطلب في الوقت نفسه تمويلًا مستدامًا، وممرات آمنة لوصول الإغاثة، وقدرة لوجستية تحفظ المخزونات والمستودعات ووسائل النقل، إلى جانب ظروف أمنية تسمح للمنظمات بالعمل في مناطق النزوح والعودة.
وفي المدى القصير، تتركز المخاطر الأكثر إلحاحًا في احتمال نفاد مخزونات «الممر الإنساني المشترك» خلال أسابيع، واحتمال تقليص برنامج الأغذية العالمي عملياته إذا لم يحصل على تمويل إضافي، بينما يستمر وصول نازحين جدد إلى دارفور وكردفان. ويعني ذلك أن الفجوة بين حجم الاحتياجات والقدرة على الاستجابة قد تتسع سريعًا إذا لم تصل موارد جديدة إلى وكالات الإغاثة.
أما التحدي الأوسع، فيبقى مرتبطًا باستمرار الحرب نفسها. فالمساعدات يمكنها تخفيف آثار النزوح والجوع وحماية الأسر الأكثر هشاشة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء الأسواق والخدمات أو إنهاء حركة النزوح. ولذلك تربط الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة بين زيادة التمويل وتحسين الوصول الإنساني وحماية المدنيين، باعتبارها عناصر متوازية للاستجابة للأزمة، بينما يظل إنهاء القتال شرطًا أساسيًا لوقف دورة النزوح والاحتياج المتجدد.






