سؤالٌ بريءٌ يتردد في أعماق الروح كصدى لا يخبو: هل تتحزّب المشاعر وتتجزّأ العواطف؟ أم هل تذوب عشرةُ العمر الطويل تحت وطأة لحظاتٍ من الرعونة والتهور، فتطوي كلَّ ما بنيناه من مودةٍ في غفلةٍ من العقل والقلب؟
أقفُ حائراً في حضرةِ الإجهاد، أتساءلُ: أَتغيبُ عن النفس فسحةُ التروّي والرحمة حينما ينهكنا التعب، فتظهر تلك الوجوه المكتومة التي طالما توارت؟
تتردد في خاطري تساؤلاتٌ موجعة؛ لا سيما حين نرى “رحمةَ القبلة” التي نهديها على اليد أو الجبين لمن نأنسُ بهم قد استبدلت بروحٍ أخرى، روحٍ تقتاتُ على التشفي.
أتساءلُ بمرارة: أتغيبُ الرحمةُ حين يلمّ بنا الضعف والانكسار؟ وهل يُصبحُ ضعفُ الآخر فرصتَنا الذهبية لـ تصديرِ أحقادنا المكبوتة، بدلاً من إهدائه لمسةً صادقة تُداوي انكساره؟
إنني أرى الرحمةَ تتقلصُ وتضيقُ، لتكشفَ عن لوحةٍ شفافةٍ تعري انحدار النفس؛ فأنا أتساءلُ بذهول: كيف تغيبُ الرحمة عند المرض، فتتحولُ الرعايةُ إلى استعراضٍ للقدرة وتذكيرٍ بالضعف؟ وكيف تستحيلُ عند الاختلاف، فينتفي “الذوقُ” وتتوارى أخلاقيات المودة، ليحلّ محلها طغيانُ الرأي وتجريحُ الكلمة؟
وأقفُ متأملاً في غيابها لحظة الخسارة، حين تضيق الدنيا على صاحبها، فنجدُ من لا يكتفي بالشماتة، بل يُسارع لـ تصديرِ أحقاده وكأنها غنيمةٌ يغتنمها من سقطةِ أخيه، متناسين أن الفضل يقتضي الترفع، وأن الخصومة في أصلها لا تُبرر تجريد الآخر من إنسانيته.
إنني من خلال هذه التساؤلاتِ كلّها، لا أحسبُ أن الرحمة تغيبُ إلا عن أولئك الذين أعمى التشفي بصائرهم، وتوهموا أن القوة تكمن في الجفاء، وأن الرجولة هي تصدير الأحقاد في أوان ضعفِ الآخر.
بينما الحقيقةُ الراسخة في يقيني هي أن الرحمة لا تغيبُ أبداً عند الأقوياء؛ فالقوةُ الحقيقيةُ هي تلك الروحُ المتعالية التي تترفّعُ عن صغائر التشفي، وتسمو فوق أحقادِ اللحظة، ليكون القلبُ ملاذاً رحيماً، لا ساحةً لتصفية الحسابات.
إنَّ نسيانَ الذوقيات في لحظات الضعف ليس مجرد زلةِ لسانٍ أو طيشِ موقف، بل هو كشفٌ عن جوهرِ النفسِ حين تتعرى من أقنعةِ المجاملة.


