الحمد لله وحده والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أما بعد:
كثير من متسننة الفقهاء سطحيون في عالم السياسة وقراءة المشاريع المتصارعة لأنهم يتيهون في تفاصيل فقهية لا علاقة لها بالصراعات الوجودية على الأرض فيجعل من المشروع الإجرامي الذي قتل الشعوب المسلمة وعطل مواجهتها للأنظمة الوظيفية والاحتلال الخارجي تحت دعم ومساندة الأمريكان في عدة مواقع ومنها العراق وافغانستان وكذلك الحماية الروسية لضرب الشعب السوري يجعله هؤلاء مشروعا مظلوما معتدى عليه من الكفار الذين كان حليفا وخادما لهم.
وآخرون يبسطون من تأثير وفاعلية المشروع الغربي الصهيوصليبي الذي يعد المشروع الأكبر نفوذا وتأثيرا في المنطقة ولا يعمل المشروع الصفوي الإيراني إلا تحت مظلته وحماية طيرانه
كل ذلك محض سذاجة سياسية.
ولا يقل عن هذين الموقفين من المنتسبين للفقه والعلم عن مواقف أهل الفكر والسياسة الذين يندفعون بذات الحماسة لتأييد أحد المشروعين المتصارعين ضمن قراءة نظرية خالية من البعد العقدي والحقائق الواقعية التاريخية والراهنة وضمن تبسيط مخل وحدي في قراءة مجريات الأحداث بحيث يجعلك في سياق ثنائي محدود وكأن التاريخ يرسمه فقط المتصارعون متجاهلين الأبعاد الجغرافية والديموغرافية فكم رأينا في الحروب الرابح فيها طرف ثالث خارج دائرة المتصارعين والتاريخ شاهد بذلك.
وما أريد التأكيد عليه في السياق الفقهي بأن المناقشات لا يلزم أن تبنى على ثنائيات مثل الكفر والبدعة واعتبار الأقرب هو صاحب البدعة بل ابن تيمية رحمه الله نفسه في الوقت الذي يرى اليهود والنصارى أكفر عقيدة وديانة لكنه قد يرى أهل البدعة من الباطنية أضر على المسلمين بالنظر إلى دنيا الناس وأرواحهم وهذه من القواعد المهمة حيث الحروب غالبها يدور مع الأنكى بالمسلمين والأضر بهم وهنا لست بصدد أي المشروعين أضر لأنها تبنى على حسابات مختلفة ومتعددة مكانا وزمانا وحالا فكل طرف من الأطراف المتنازعة نظريا ضرره من جهة منفكة عن الأخرى ولكن أردت لفت الانتباه إلى مدخل النقاش وعوامل الاختلاف الدائر.
وكذلك هناك نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها وهي أن الخلافات في حقيقتها لا تدور على نقاش شرعي محض بل تستبطن عوامل وتحيزات خفية منها جوهر الضرر الواقع على الأطراف المختلفة فمثلا سنة الشام والعراق واليمن ولبنان والخليج يرون بأن الضرر المباشر وقع عليهم من الشيعة في المنطقة بقيادة إيران فهم يرون الخطر المباشر لهم الذي يدفعونه عن أنفسهم هو الخطر الشيعي وبالنسبة للشعب الفلسطيني يرى الضرر المباشر من الصهاينة وكذلك الشعب السوداني عنده شعور بأن إيران تقف معه وتدعمه وأهل المغرب العربي وبحكم تركيز مذهبهم المالكي على جوانب العمل ومقاصد الشريعة وبعدهم عن الصراعات الطائفية المشرقية تجدهم يقللون من ضرر وشرور المشروع الطائفي الإيراني وشبيه من ذلك أهل مصر حكومة ومعارضة وهكذا فإن هذا النوع من المواقف من الصعوبة وصفه بالموقف الشرعي العقدي المحض المبني على الكفر والبدعة والأبعد والأقرب عقيدة وديانة بل هناك تحيزات مصلحية يصعب الفكاك عنها لأنه ربما كان من التكليف بما لا يطاق بشريا.
والذي أراه على الجميع في هذه النازلة تحقيق التوازن النفسي والعقلي واستيعاب طبيعة المواقف في ظل غياب من يرفع الخلاف عمليا (الإمام والخليفة والحاكم) والحفاظ على الإخاء وعدم الذهاب للاتهامات والاسقاطات والعمل على بناء المشروع الجامع أو العمل فيما ينفع الناس بعيدا عن الخصومات التي لا جدوى من ورائها
قال تعالى:( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) النساء/66







