الصراع بين الفرس والروم في نفس الوقت الذي كان يعاني فيه النبي ﷺ وأصحابه أثناء الفترة المكية كان لصالح الأمة الإسلامية الوليدة آنذاك، والمحصورة في قلة من المؤمنين المحاصرين والمستضعفين والمخوفين والمخطفين في شعاب مكة حيطة رسول الله ﷺ كالسوار بالمعصم، والذين انطلقوا -وياللعجب- لإسقاط كلتا الإمبراطوريتين بعد سنوات معدودة!
ورغم أن الفئة الأولى العظيمة والفريدة والمهيبة في صدارة هذه الامة؛ استبشرت بنصر الروم في بضع سنين، وفرحت لنصر الكتابيين (الروم) على الوثنيين (الفرس)؛ إلا أن الصراع مع الروم كان أشد وأنكى وأبعد لفترات طويلة مع الشرقيين منهم والغربيين، وذلك بعد انهيار إمبراطورية فارس وهلاك كسرى الذي لا كسرى بعده.
والصراع اليوم بين إيران -كوريث جغرافي على الأقل- للفرس، وبين الأمريكان والغرب كوريث من بعض الوجوه للروم الغربيين؛ انقلبت فيه الولاءات، إذ يستبشر المسلم بنصر من ينتسب إلى أهل القبلة مهما خالفهم، خاصة مع غياب أي مشروع حقيقي آخر لأهل السنة في المنطقة.
وربما نتلمس من حديث زوال الكسروية، عدم تمدد الإمبراطورية الفارسية مرة أخرى، إذ كسرى لا يكون بهذا المنصب إلا عليها، كما لن يكون انتصار دولة إيران كواجهة للشيعة؛ ممكناً لهم بحال من السيطرة على بقية الأمة للحواجز المتعددة أمام مثل هذا الاجتياح، لكنه سيعني هزيمة لأعداء الأمة وكسراً لغطرستهم واستكبارهم.
وريثما تحاول إيران النهوض ولملمة جراحها الثخينة بعد انطفاء سعير المعركة، ربما تكون القوى السنية قد بلورت مشروعاً جديداً يمثل هذه الأمة من خلال دولة قوية أو أكثر، كما قد تعيد إيران النظر في علاقاتها مع إخوانها العرب بأغلبيتهم “السنية”، وبلورة رؤية جديدة أو نسق وعقد اجتماعي مختلف في التعامل معهم، أو نسج علاقات “تحالف” ومعاهدات تتجاوز مآسي الماضي القريب.


