قرأت حوارا رصينا بين عدد من الفضلاء، أذكر منهم الأستاذ عبد الرحمان الطويل والأستاذ عبد الفتاح جمال الدرعمي والأستاذ الدكتور أيمن عيسى، وكان موضوع حوارهم هو سؤالاً عن الحديث النبوي الشريف، ولم لا يكون مادة للمعالجة الإحصائية، ولاسيما في مبحث الأحاديث الموضوعة، مع توافر منهجيات علمية قادرة على أن يكون لها سهمة جادة في حل الإشكال.
ولا ريب أن للسؤال وجاهته، وأنه كان مناطا لاشتغالي زمنا. بيد أني حين حاولت أن أطوع للباحث العربي هذا الضرب من المعالجة نَحَوْتُ إلى تقويم الشوقيات المجهولة، مستفيدا من عالم الأسلوبيات الرياضي أودني يول، وقلت في هذا قولا نشر في مجلة “فصول” في عهدها الزاهر حين قام على أمرها الراحل الكبير عز الدين إسماعيل رحمه الله وجزاه عن العلم خيرا، ثم ضمنته كتابي “في النص الأدبي: دراسات أسلوبية إحصائية” ولم أجد عندي من الجرأة ما يحفزني إلى اختيار الحديث الشريف موضوعا للمقاربة.. وحجزني عن اقتحام هذه العقبة أمور:
أولها ـ أن احتمال وقوع الخطأ في تراث أمير الشعراء أهون خطبا وأسلم عاقبة من وقوعه في الحديث النبوي الشريف.
ثانيها ـ أن ما عندي من علم الحديث الشريف بضاعة مزجاة، ولا يصح في جنب طالب الحقيقة أن يتعرض لما لا يعلم أو أن يتكلف لما لا يحسن. ولقد شفى نفسي أن وجدت عظيما مثل أبي حامد الغزالي ـ رضي الله عنه ـ يقر على نفسه بذلك، وقد استعمل في هذا المقام العبارة التي أسلفت فقال: إن بضاعتي في علم الحديث مزجاة، هذا؛ وهو حجة الإسلام ومجدد القرن الخامس عند جمهور أهل العلم؛ فقلت في ذات صدري: ارْبَعْ على نفسك، والزم الأناة، ولا تتقحم على المهالك.
وآخرها ـ أن هذا المبحث يلزم له إلى الفقه بالأسلوبيات الإحصائية وطرائق البحث فيها تمكنٌ من إجراءات البحث في لسانيات المدونات corpus linguistics، التي هي من أهم شواغل اللسانيات الحديثة الآن، وأصارح لكم أني لا أزال وأنا في هذه السن المتأخرة واقفا على ساحله، وأدعو الراغبين من المشتغلين باللسانيات العربية أفْتَاءً وشيوخا إلى أن يُوَلّوا وجوههم شطره، فحظّ العربية منه قليل قليل، وليكن زادُ الترجمات الرصينة التي أمدّ بها المكتبةَ العربيةَ العالمُ الثبتُ الأستاذ الدكتور سعيد بحيري ـ وفقه الله ـ منطلقَ العكوف عليه والإفادة منه، وبمثل ذلك يتصل الجهد، وتتضافر الأعمار، وتُنالُ الرغائب.
هذا؛ ولعليّ ـ إذ ألقي معاذيري ـ أن أكون قد وفقت في العبارة عن ذات نفسي.







