عادت الكوارث المناخية لتفرض نفسها بقوة على المشهد الليبي، بعدما تعرضت مناطق الجنوب، وتحديدًا مدينتا غات وتهالة، لموجة من الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة تزامنت مع أيام عيد الأضحى، متسببة في أضرار واسعة بالبنية التحتية والمناطق السكنية، ومجددة النقاش حول هشاشة شبكات الحماية من الفيضانات في البلاد.
وبدأت الأزمة مع هطول أمطار كثيفة على المنطقة منذ أول أيام العيد، قبل أن تتحول إلى سيول اجتاحت عددًا من الأحياء السكنية والطرق الرئيسية، ما أدى إلى عزل بعض المناطق وانقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت بشكل كامل عن مدينتي غات وتهالة.
وتسببت السيول في إلحاق أضرار مباشرة بالطريق الرابط بين المدينتين، كما تعرض كابل الألياف البصرية الرئيسي لعدة قطوعات، الأمر الذي أدى إلى توقف خدمات الاتصالات والإنترنت بشكل مفاجئ. وعلى الفور باشرت الفرق الفنية التابعة لشركة هاتف ليبيا أعمال الصيانة والإصلاح، وسط تحديات ميدانية فرضتها الأوضاع الجوية وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع المتضررة.
و كشف الهلال الأحمر الليبي عن حجم الأضرار التي خلفتها الفيضانات، موضحًا أن المياه غمرت معظم أحياء مدينة تهالة، وتسببت في تضرر 12 حيًا سكنيًا بصورة مباشرة، ما استدعى إخلاء تلك المناطق بالكامل حفاظًا على سلامة السكان.
وأسفرت الكارثة عن نزوح نحو 250 أسرة من منازلها، حيث جرى توفير أماكن إقامة مؤقتة لها داخل منازل ومرافق آمنة في مناطق بعيدة عن مجاري السيول، بينما لا تزال الحاجة قائمة لتوفير مستلزمات الإيواء والمواد الإغاثية الأساسية للمتضررين.
وامتدت تداعيات السيول إلى بلدية البركت المجاورة، حيث تعرضت بعض الأحياء للعزل نتيجة تجمع المياه وقطع الطرق، في حين سارعت السلطات المحلية بمدينة غات إلى تنفيذ عمليات إخلاء احترازية للأحياء المنخفضة والمناطق الأكثر عرضة لخطر الفيضانات.
ومع اتساع حجم الأزمة، دخلت الحكومة الليبية على خط المواجهة، إذ أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، تعليمات عاجلة إلى الجهات المعنية لتقديم الدعم الإغاثي للمتضررين وتسريع عمليات الاستجابة الميدانية.
وشملت الإجراءات الحكومية تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية بتقديم المساعدات والرعاية للأسر النازحة، إلى جانب توجيه الشركة العامة للمياه والصرف الصحي بالدفع بمعداتها لسحب المياه المتراكمة وتصريفها من المناطق السكنية والشوارع المتضررة.
كما تم تكليف مركز طب الطوارئ والدعم بنشر فرق الإسعاف والطواقم الطبية لتقديم الخدمات الصحية العاجلة ومتابعة أوضاع السكان في المناطق المنكوبة، مع إلزام الجهات التنفيذية برفع تقارير دورية حول تطورات الموقف والاحتياجات الإنسانية المطلوبة.
لكن الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة بشأن قدرة البنية التحتية الليبية على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، خاصة أن مناطق الجنوب شهدت خلال السنوات الأخيرة حوادث مماثلة تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة.
ويرى خبراء ومراقبون أن الاعتماد على الحلول المؤقتة بعد وقوع الكوارث لم يعد كافيًا، في ظل تكرار موجات السيول والأمطار الغزيرة الناتجة عن التغيرات المناخية. ويؤكدون أن معالجة المشكلة تتطلب الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، دعا عدد من المسؤولين والخبراء إلى تنفيذ مشروعات بنية تحتية متخصصة للحد من أخطار السيول، تشمل إنشاء سدود تخزينية وركامية وشبكات لتصريف مياه الأمطار بعيدًا عن التجمعات السكانية، بما يسهم في حماية المدن الجنوبية وتقليل الخسائر الاقتصادية والبشرية مستقبلاً.
وتكشف أزمة غات وتهالة مجددًا أن التحدي الحقيقي أمام ليبيا لا يتمثل فقط في مواجهة آثار السيول الحالية، بل في بناء منظومة متكاملة لإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، خاصة مع تزايد حدة التقلبات المناخية التي باتت تضرب المنطقة بوتيرة متسارعة، مهددة البنية التحتية والسكان على حد سواء.







