لم تكد أسواق الطاقة العالمية تلتقط أنفاسها إثر التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، حتى باغتت حركة “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن المشهد الجيوستراتيجي بفتح بؤرة اشتباك جديدة في البحر الأحمر عبر إعلان “حصار بحري” واستهداف ناقلات النفط المتجهة عبر مضيق باب المندب.
إن نقل المعركة إلى شريان اخر للتجارة البحرية لم يعد مجرد امتداد تكتيكي لأزمات الإقليم، بل أضحى تحولاً مفصلياً يعيد رسم مخاطر سلاسل الإمداد، ويضع الاقتصادات الآسيوية والدولية تحت رحمات التأمين البحري وقفزات الأسعار المتسارعة، متحولاً من ملف يمني محلي إلى أزمة أمن قومي عالمية تتداخل فيها خيارات الردع السعودية والواشنطنية مع حسابات البارود.
استهداف ناقلات النفط
تجسد العمل الميداني للتصعيد الأخير في إعلان المتحدث العسكري للحوثيين استهداف ناقلتي النفط “إنسيليا” و”ليلى” قبالة سواحل جازان باستخدام الصواريخ المباشرة والطائرات المسيرة، بدعوى اختراقهما للقرار البحري المكتبي للجماعة.
وأكدت البيانات الملاحية أن السفينتين حُملتا بنحو 2.85 مليون برميل من النفط، مما أرسل موجات صدمة فورية للموانئ العالمية، ودفعت بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل وسط مخاوف متزايدة من تعطل إمدادات الخام المارة عبر المضيق.
خروج الحوثيين
يرتبط الانخراط المباشر لجماعة الحوثى في مواجهة واشنطن وحلفائها بحسابات متعددة؛ إذ تشير القراءات التحليلية الصادرة عن صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن التحرك الحوثي جاء للتخفيف عن طهران التي تعرضت لحملات جوية أمريكية مكثفة.
وجاءت الشرارة المباشرة عقب قصف مطار صنعاء الدولي لإنفاذ حظر جوي، ليرد الحوثيون باختبار واقع الحصار المفروض على الموانئ الخادمة لسلطتهم، ومحاولة تحويل البحر الأحمر إلى منصة ضغط تفاوضية لتفكيك القيود الجوية والبحرية.
الخيار النووى
يرى محللون إستراتيجيون في المؤسسات الدولية أن الجماعة تحولت بالنسبة لطهران إلى ما يشبه “الخيار النووي الموازي”؛ عبر امتلاكها القدرة على تعطيل الملاحة دون الحاجة لإغراق الأسطول بالكامل.
فبمجرد ارتفاع المنسوب الأمني للمخاطر وتراجع شركات الشحن العالمية عن العبور، يستقر الحصار كواقع عملي.
ويضاعف هذا التهديد حساسية مضيق باب المندب الذي يستوعب أكثر من 6 ملايين برميل يومياً -تشكل الصادرات السعودية ثلثيها- خاصة بعد اعتماد الرياض على ضخ شحناتها عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى ميناء ينبع لتفادي اضطرابات مضيق هرمز.
التبعات اللوجستية
يسلط التقييم الصادر عن موقع “ذا هيل” الضوء على الكلفة الاقتصادية الباهظة الناتجة عن إجبار السفن المتجهة لآسيا على تغيير مساراتها؛ إذ أظهرت بيانات شركة “كبلر” لتتبع الملاحة أن تحويل خطوط الشحن من ميناء ينبع نحو رأس الرجاء الصالح يرفع زمن الرحلة إلى كوريا الجنوبية من 24 يوماً إلى 54 يوماً.
وتضع هذه الزيادة الزمنية المصافي الآسيوية والاقتصاد الهندي أمام اختبار استيرادي حرج، يرافقه ارتفاع جنوني في أقساط التأمين ورسوم النقل البحري لعام 2026.
التهديد الأمريكي
أمام وعيد واشنطن بتحميل طهران المسؤولية المباشرة وفرض “عقاب عسكري حازم”، حددت مؤسسة “ستراتفور” ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصراع:
السيناريو الأول (الرد المنسق المحدود): أن تقتصر الضربات السعودية والأمريكية على منصات الإطلاق ومراكز القيادة الحوثية لإبقاء التصعيد تحت السيطرة.
السيناريو الثاني (المواجهة المفتوحة): أن تتوسع الضربات لتستهدف الموانئ والمطارات الخاضعة للجماعة، مما يدفع الحوثيين لمعاودة استهداف المنشآت النفطية في العمق الإقليمي، ويرغم واشنطن على التدخل المباشر.
السيناريو الثالث (التهدئة والدبلوماسية): الانزلاق نحو تخفيض متفق عليه للتصعيد بضغط من المخاطر الاقتصادية العالمية، مع تفعيل الوسطاء الإقليميين لتفكيك الحظر مقابل تأمين حركة الناقلات.
ويقف البحر الأحمر عند مفترق طرق تاريخي تحول فيه من شريان ملاحي يغذي التجارة العالمية إلى ساحة استنزاف وتصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إن قدرة المجتمع الدولي على تحييد مخاطر “باب المندب” ستعتمد بالأساس على مدى صرامة معادلة الردع وقدرة التحالفات على تأمين الملاحة، دون السقوط في فخ الحرب الشاملة التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ وتضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة طاقة طويلة الأجل.


