تؤدي الصراعات الجيوسياسية في ممرات الطاقة الحيوية إلى إعادة هندسة هيكلية للاقتصاد الدولي؛ حيث تفرض صدمات الإمدادات مقايضات معقدة بين احتواء التضخم ومجاراة طفرة التكنولوجيا، مما يضع الدول المستوردة للسلع الأساسية أمام مأزق مالي يقوض استقرارها.
بيان رباعي
أكد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية ومنظمة التجارة العالمية، في بيان مشترك، أن الاقتصاد العالمي أظهر متانة في مواجهة صدمة حرب الشرق الأوسط، رغم استمرار الضغوط بأسواق الطاقة والتجارة.
ودعت المؤسسات الدولية الأربع إلى إحراز تقدم حقيقي نحو إنهاء الصراع في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز، واعتبرت هذه الخطوات أساسية وضرورية لدعم معدلات النمو الاقتصادي العالمي وضمان استقرار الأسعار عالمياً.
التزام دولي
أشار البيان المشترك إلى أن مستويات الضبابية لا تزال مرتفعة للغاية، وقد تستمر تداعيات هذه الحرب لفترة طويلة، وأكدت المؤسسات التزامها بمراقبة تطورات الطاقة والتجارة، وتعزيز جاهزيتها لاتخاذ إجراءات إضافية تدعم صمود الدول.
وخفض صندوق النقد الدولي في تقريره المحدث توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى 3%، وتعد هذه النسبة أقل من تقديراته السابقة الصادرة في أبريل، والتي كانت تشير لنمو بنسبة 3.1%.
توقعات مستقبلية
يتوقع الصندوق ارتفاع النمو العالمي إلى 3.4% في عام 2027، لكن هذا التعافي يظل دون المتوسط المسجل خلال عامي 2024 و2025 والبالغ 3.5%، مما يعكس الأثر الممتد للصراع على الأنشطة الاقتصادية.
وحذر التقرير من أن حرب الشرق الأوسط، واهتزاز التقييمات المرتفعة بقطاع الذكاء الاصطناعي، يمثلان أبرز المخاطر العالمية، ورغم ذلك، ساهم الطلب القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعويض جزء من آثار تراجع إمدادات الطاقة.
معضلة التضخم
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدلات التضخم العالمي في عام 2026 إلى 4.7%، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية عن تقديرات أبريل الماضي، وتوقع التقرير تراجع التضخم إلى 3.9% في عام 2027.
وسجلت أسعار الطاقة ارتفاعاً بنحو 25% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الحرب، وسط توقعات ببقائها مرتفعة، ويبني الصندوق فرضياته على إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً اعتبارا من منتصف يوليو الجاري لتستقر الملاحة تماماً بحلول 2027.
تسعير النفط
توقع الصندوق أن يبلغ متوسط سعر النفط 89 دولاراً للبرميل، وأوضحت بيتيا كويفا بروكس، نائبة مدير إدارة الأبحاث بالصندوق، أن النمو هذا العام سيكون أضعف من التوقعات السابقة للحرب، ليعقبه انتعاش بالعام المقبل.
وأكدت بروكس أن الاقتصاد العالمي نجح حتى الآن في استيعاب صدمة الحرب بشكل أفضل من المخاوف السابقة، وأشارت إلى وجود مؤشرات محدودة ومحصورة حتى الآن بشأن حدوث تداعيات اقتصادية غير مباشرة واسعة النطاق.
تباين الفوائد
رفع الصندوق توقعات النمو للدول المصدرة للطاقة والاقتصادات المرتبطة بقطاع التكنولوجيا، وفي المقابل، خفض التقرير توقعاته للدول المستوردة للسلع الأساسية التي لم تستفد بصورة كافية من الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي.
وتوقع التقرير تباطؤ نمو التجارة العالمية إلى 3.5% في عام 2026 مقارنة بنحو 5% في عام 2025. وأضاف الصندوق أن حركة التجارة ستتعافى لتصل إلى 4.3% في عام 2027.
ثبات أمريكي
أبقى صندوق النقد الدولي على توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي ثنائية الثبات عند 2.3% في عام 2026، وقام الصندوق برفع تقديراته لنمو الولايات المتحدة إلى 2.2% في عام 2027.
وخفض الصندوق توقعاته لنمو منطقة اليورو إلى 0.9% فقط لعام 2026، مما يعكس عمق الأزمة بالقارة، كما توقع التقرير المحدث نمو الاقتصاد الياباني بنسبة منخفضة بلغت 0.6% لنفس العام.
صدمة إقليمية
تأثرت منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالحرب بشكل حاد، مما دفع الصندوق لخفض توقعات نموها لعام 2026 إلى 0.7%، بتراجع كبير قدره 1.2 نقطة مئوية عن تقديرات شهر أبريل الماضي.
رهان الانتعاش
توقع التقرير حدوث انتعاش قوي بنمو يصل إلى 6.5% في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بحلول عام 2027. ويرتبط هذا التعافي المشروط بتراجع حدة الصراع الحالي وتحسن أوضاع أسواق الطاقة عالمياً.
وتثبت الأرقام الصادرة عن قمة المؤسسات المالية الأربع أن مرونة الاقتصاد العالمي تواجه اختباراً هيكلياً قاسياً.
إن خفض نمو الشرق الأوسط إلى 0.7% واليورو إلى 0.9% يوضح أن كلفة إغلاق مضيق هرمز تتجاوز مجرد ارتفاع أسعار النفط إلى 89 دولاراً، لتتحول إلى أداة فرز اقتصادي قسري توظف طفرة الذكاء الاصطناعي لإنقاذ القوى التكنولوجية، بينما تترك الدول المستوردة والمتاخمة للصراع تعاني وحيدة تحت وطأة تضخم يبلغ 4.7% وعجز ممتد يهدد الاستقرار المالي والاجتماعي حتى عام 2027.


