في تطور سياسي لافت يعكس حجم الانقسام داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية بشأن الحرب مع إيران، تراجع مجلس الشيوخ الأمريكي عن موقف كان قد تبناه قبل يوم واحد فقط، وأسقط مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استئناف العمليات العسكرية ضد طهران دون موافقة الكونغرس.
وجاء التصويت الجديد مساء الأربعاء بنتيجة 50 صوتًا ضد القرار مقابل 47 صوتًا مؤيدًا له، بعد أن كان المجلس قد أقر قبلها بيوم قرارًا مماثلًا بأغلبية 50 مقابل 48، في خطوة اعتُبرت حينها توبيخًا سياسيًا نادرًا للرئيس الأمريكي بشأن ملف الحرب الإيرانية.
كيف انقلبت النتيجة خلال 24 ساعة؟
يكشف التصويت الجديد عن تأثير مباشر للضغوط التي مارسها ترامب على أعضاء حزبه الجمهوري. فبعد اجتماعات مغلقة عقدها الرئيس مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، غيّر اثنان من أبرز أعضاء الحزب موقفهما.
فقد امتنع السيناتور الجمهوري راند بول عن التصويت بعدما كان قد دعم القرار السابق، بينما صوّت السيناتور بيل كاسيدي ضد المشروع الجديد بعدما كان أحد الجمهوريين الأربعة الذين انضموا إلى الديمقراطيين في التصويت الأول. في المقابل حافظت السيناتورتان الجمهوريتان سوزان كولينز وليزا موركوفسكي على دعمهما للقرار، فيما استمر الديمقراطي جون فيترمان في معارضة المشروع كما فعل في التصويت السابق.
وأشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى أن ترامب عبّر خلال اجتماع مغلق مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن غضبه الشديد من التصويت الأول، معتبراً أنه يبعث برسالة ضعف إلى إيران ويقوض المفاوضات الجارية معها. كما شهد الاجتماع مشادة كلامية حادة بين ترامب والسيناتور بيل كاسيدي قبل أن يغيّر الأخير موقفه لاحقاً.
لماذا كان التصويت مهماً؟
القرار المطروح استند إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، وكان يهدف إلى إلزام الإدارة الأمريكية بالحصول على تفويض من الكونغرس قبل استئناف العمليات العسكرية ضد إيران.
ورغم أن القرار لا يتمتع بقوة قانونية ملزمة بشكل كامل لأنه جاء في صورة “قرار متزامن” لا يحتاج إلى توقيع الرئيس، فإنه كان يحمل أهمية سياسية كبيرة باعتباره أول تعبير رسمي من مجلسي النواب والشيوخ عن رفض استمرار الحرب دون موافقة تشريعية صريحة.
حرب إيران تواصل إثارة الجدل
يأتي الجدل داخل الكونغرس في وقت تواصل فيه إدارة ترامب طلب تمويلات إضافية ضخمة لدعم العمليات العسكرية.
فقد طلب البيت الأبيض هذا الأسبوع من الكونغرس اعتماد تمويل إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار، يذهب نحو 67 مليار دولار منها إلى وزارة الدفاع لتغطية نفقات الحرب والذخائر والعمليات العسكرية المرتبطة بالصراع مع إيران.
وتواجه هذه الخطوة معارضة متزايدة من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين الذين يرون أن الحرب فرضت أعباء مالية واقتصادية كبيرة على الولايات المتحدة، في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطاً تتعلق بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.
مفاوضات سلام هشة
يتزامن هذا السجال السياسي مع استمرار العمل بمذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، والتي تضمنت وقفاً لإطلاق النار وبدء مفاوضات تمتد 60 يوماً حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والقضايا الإقليمية العالقة.
ويرى مراقبون أن التصويت المتقلب داخل مجلس الشيوخ يعكس الصراع الدائر في واشنطن بين تيار يدعو إلى منح الرئيس مرونة كاملة في إدارة الملف الإيراني، وتيار آخر يتمسك بإعادة دور الكونغرس في اتخاذ قرارات الحرب والسلم وفقاً للدستور الأمريكي.
انقسام مستمر داخل الحزب الجمهوري
ورغم نجاح ترامب في قلب نتيجة التصويت هذه المرة، فإن الأرقام تكشف استمرار وجود انقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن الحرب الإيرانية. فالتصويت الأول مرّ بفارق ضئيل للغاية، بينما سقط التصويت الثاني بفارق ثلاثة أصوات فقط، ما يشير إلى أن ملف إيران سيظل أحد أكثر القضايا إثارة للجدل داخل واشنطن خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس واستمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
وبينما اعتبر ترامب أن نتيجة التصويت الجديدة تمثل “رسالة تحذير إلى إيران”، يرى خصومه أنها مجرد انتصار إجرائي مؤقت لا ينهي الجدل الدستوري والسياسي حول حدود صلاحيات الرئيس الأمريكي في خوض الحروب دون تفويض مباشر من الكونغرس.







