لم يهدأ الغضب حول الملفات الخاصة بالملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المدان بارتكاب جرائم جنسية، وسط تساؤلات مستمرة عن مصير نحو 3 ملايين وثيقة أخرى لم يتم الكشف عنها حتى الآن. فقد نشرت وزارة العدل الأمريكية الأسبوع الماضي دفعة ثانية من الملفات، ليصل إجمالي ما تم نشره إلى أكثر من 3 ملايين صفحة، على الرغم من جمع الوزارة أكثر من 6 ملايين وثيقة ذات صلة بالقضية، بحسب تصريحات تود بلانش، نائب المدعي العام الأمريكي.
التأخير وإخفاق قانون الشفافية
كانت وزارة العدل ملزمة بالكشف عن جميع الملفات بحلول 19 ديسمبر 2025 وفقًا لقانون شفافية ملفات إبستين، إلا أن بعض الوثائق تم الإفراج عنها بعد نحو ستة أسابيع من الموعد القانوني. ويثير هذا التأخير انتقادات واسعة، خاصة في ظل مطالب حقوقية وسياسية لكشف المعلومات الكاملة حول كيفية استغلال إبستين للفتيات جنسيًا لفترة طويلة، والصفقات القضائية المخففة التي سمحت له بتجنب الملاحقة الفدرالية قبل حوالي 20 عامًا.
وقالت صحيفة الغارديان إن عدد الصفحات المنشورة لا يعكس الحجم الكامل للوثائق، إذ أن ما تم نشره أقل بكثير من العدد الإجمالي الذي حددته وزارة العدل. هذا التباين يطرح تساؤلات حول آلية تصنيف الوثائق واحتمال استخدام تكتيكات تعيق الشفافية.
انتقد عدد من المحامين الذين يمثلون ضحايا إبستين الحكومة الأمريكية، مؤكدين أن الكشف الحالي عن الوثائق لا يكشف حقيقة التهرب من العدالة الذي مارسه إبستين قبل محاكمته عام 2019.
وأشارت المحامية آن أوليفاريوس إلى أن الفرق الكبير بين الوثائق المحددة ذات الصلة (أكثر من 6 ملايين) وعدد الوثائق المنشورة (أكثر من 3 ملايين) يثير الشكوك حول دوافع التعامل مع الملفات، معتبرة أن هناك إمكانية تلاعب أو سوء تصنيف قد يخفي الحقائق.
كما شددت المحامية جينيفر فريمان على وجود فوضى واضحة في عملية الكشف عن الوثائق، بما في ذلك عمليات الحذف والكشف عن هويات الضحايا، معتبرة أن هذا التفاوت يضر بالمساءلة ويترك الجمهور دون معلومات كاملة عن كيفية التحقيق في الشكاوى المقدمة منذ سنوات طويلة.
لماذا ظهرت الوثائق الآن؟
يرى بعض المحللين أن توقيت الكشف عن هذه الوثائق مرتبط بضغوط قضائية وسياسية متزايدة. يقول المحامي الحقوقي مايكل إيفانز إن “وزارة العدل كانت تواجه دعاوى مستمرة منذ سنوات للمطالبة بالكشف الكامل عن ملفات إبستين، وأي تأخير إضافي كان سيزيد من حدة الانتقادات، لذا كان الإفراج الجزئي نتيجة ضغط قضائي وقانوني”.
من جهة أخرى، يشير بعض الباحثين في الشؤون القانونية إلى أن الاهتمام الإعلامي الدولي وتجدد النقاشات حول استغلال الأطفال والقوة المالية في الولايات المتحدة دفع السلطات إلى تسريع نشر الملفات، على الأقل جزئيًا، لتخفيف الانتقادات المتعلقة بالشفافية والمساءلة.
وتضيف المحامية آن أوليفاريوس: “الظهور الآن للملفات لا يعني نهاية التحقيق، بل محاولة للرد على ضغط شعبي وسياسي متزايد وإظهار أن الوزارة تتعاون، مع الاحتفاظ ببعض الوثائق الحساسة التي قد تؤثر على أشخاص نافذين”.
ردود الفعل السياسية
على الصعيد السياسي، انتقد عدد من كبار أعضاء الحزب الديمقراطي إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب وطريقة تعاملها مع ملفات إبستين،
معتبرين أن الكشف الجزئي عن الوثائق يشير إلى عملية تستر كاملة. وصرح عضو الكونغرس جيمي راسكين، الديمقراطي من ولاية ميريلاند، بأن الاكتفاء بنشر 3 ملايين صفحة فقط، مع حذف عشرات الآلاف من البيانات، يترك الباب مفتوحًا أمام الشكوك بشأن حماية بعض المسؤولين أو الأشخاص المرتبطين بإبستين.
دعوى قضائية وتهديد باللجوء للقضاء
رفع موقع “رادار أونلاين” دعوى قضائية منذ أكثر من ثماني سنوات بعد فشل مكتب التحقيقات الفدرالي في الكشف عن الملفات كاملة، وأعلن الموقع أنه قد يلجأ مجددًا إلى القضاء للطعن في أي محاولات لتقويض الشفافية في معالجة قضية إبستين.
ويؤكد المحامون أن الهدف من الكشف الكامل هو إظهار المسار القانوني الذي سمح لإبستين بتجنب العقاب لفترات طويلة، وكذلك التحقيق في الدور الذي لعبه المحيطون به وأي تسهيلات قضائية محتملة.
مطالب حقوقية للشفافية
يطالب ناشطون حقوقيون وسياسيون بإطلاق جميع الوثائق المتبقية، معتبرين أن الكشف الجزئي لا يكفي لفهم حجم الجرائم وطبيعة الشبكات التي استغلها إبستين. كما تثار تساؤلات حول مصير الشكاوى التي قدمتها النساء إلى مكتب التحقيقات الفدرالي وكيفية التحقيق فيها، خصوصًا أن أسماء الجناة ما زالت محمية بينما تم كشف هويات الضحايا.
من جانبها، أكدت بعض المنظمات الحقوقية أن الإفراج الجزئي عن الوثائق يعكس فجوة في العدالة، إذ أن الإفصاح عن الملفات قد يساعد على محاسبة المسؤولين الذين ساعدوا إبستين على التهرب من العقاب، ويوضح كيف تمكن من ممارسة الجرائم على مدى عقود دون مساءلة فعلية.
أبعاد اجتماعية ونفسية
ترى المحاميات والمحللون أن عدم نشر الوثائق بالكامل يساهم في استمرار الإحباط والغضب المجتمعي، ويؤثر على ثقة المواطنين في النظام القضائي الأمريكي. فالضحايا، الذين تعرضوا لانتهاكات جسدية ونفسية، ما زالوا يطالبون بمساءلة كاملة وشفافية مطلقة، لا سيما في القضايا التي تتعلق باستغلال الأطفال والنساء.
الخلاصة
بينما كشفت وزارة العدل عن أكثر من 3 ملايين وثيقة، يظل نصف المواد المحتملة الأخرى غير متاحة للجمهور، ما يثير تساؤلات حول التستر على معلومات هامة تتعلق بالتحقيقات السابقة وحماية المتورطين.
ومع استمرار المطالبات بالكشف الكامل عن الملفات، يبرز جدل واسع حول قدرة النظام القضائي على تقديم العدالة بشكل شامل في قضية أصبحت رمزًا للتهرب من المسؤولية القانونية والنفوذ السياسي والمالي.
الخبراء الحقوقيون والمحللون السياسيون يشددون على أن الشفافية الكاملة هي السبيل الوحيد لاستعادة الثقة العامة، وفهم الطريقة التي تمكن بها إبستين من تجنب العدالة لعقود، ومعرفة الجهات التي ساعدته أو أعاقتها التحقيقات.
ويشيرون إلى أن التوقيت الحالي لإطلاق هذه الوثائق مرتبط بالضغوط القضائية والإعلامية والسياسية، لكنه لا يغلق الباب أمام مطالب جديدة بالكشف الكامل عن كل المستندات.
تهديد مستقبل ترامب السياسي
كشف الملفات الجزئي لإبستين يفتح ملف الشفافية والمساءلة في إدارة دونالد ترمب، ويطرح تساؤلات حول أي معرفة مسبقة أو تهاون محتمل تجاه القضايا المرتبطة بالملياردير.
الخبراء القانونيون والسياسيون يرون أن الضغط الإعلامي والقضائي قد يتصاعد، ما يهدد صورة ترامب ويزيد من انتقادات خصومه الديمقراطيين. رغم صعوبة ربط الملفات مباشرة بعزله، فإن الكشف عن أي تورط محتمل أو حماية لأشخاص نافذين قد يفتح الباب أمام تحقيقات برلمانية أو تحقيقات فيدرالية. التوقعات تشير إلى أن هذه المستجدات قد تضعف قاعدة دعم ترامب وتزيد الضغوط السياسية عليه مستقبليًا.







