عندما تلتقي نيران الحرب في إيران بانسداد شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام “صدمة عرض” كلاسيكية.
وفي قراءة لمقال الخبير “أمبروز إيفانز-بريتشارد”، الكاتب فى الاقتصاد العالمى بتليجراف، يبرز التناقض الصارخ في تعامل البنوك المركزية مع هذه الأزمة.
فبينما تحبس الحرب 8% من التجارة العالمية خلف المضيق، يصر بنك إنجلترا بقيادة أندرو بيلي، على التمسك بنماذج “الكينزية ” – افكار واسس بنكية لنظرية اقتصادية أسسها البريطاني جون مينارد كينز، تدعو إلى ضرورة تدخل الحكومة في الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق وخفض الضرائب لتحفيز الطلب الكلي- التي عفا عليها الزمن.
إن محاولة البنك المركزي “تأديب” التضخم الناتج عن صدمات الحروب وسلاسل التوريد عبر رفع أسعار الفائدة المتكرر، ما هو إلا هروب للأمام نحو هاوية الانكماش، وتكرار مأساوي لخطأ عام 2008 حين رُفعت الفائدة والاقتصاد يترنح بالفعل تحت وطأة أسعار النفط القياسية.
ويدور المقال حول:” إن الربط بين الميدان في الخليج والقرار النقدي في لندن يكشف عن “جبن فكري” ترفض معه النخبة التكنوقراطية الاعتراف بأن قفزات الأسعار الناتجة عن تعطل هرمز هي صدمات عابرة لا تُعالج بخنق الاستثمار وسوق الإسكان”.
ويؤكد: “إن الخطر الحقيقي اليوم ليس في ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل في “مذكرة الانتحار النقدية” التي يكتبها بنك إنجلترا بيده، متجاهلاً أن الانكماش العالمي القادم قد يكون أشد فتكاً من تضخم مؤقت أملته ظروف المعركة”.
وبينما يبحث العالم عن “عقلانية نقرية” تفرق بين التضخم البنيوي وقفزات الأسعار الاضطرارية، يبقى الاقتصاد البريطاني معلقاً بين مطرقة التوترات الجيوسياسية وسندان الفكر الكينزي المحتضر.
انفصام السياسة النقدية عن واقع “صدمة هرمز”
ما يستدعى التوقف في تحليل بريتشارد هو الربط الذكي بين السياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز. فبينما تحبس الحرب 8% من التجارة العالمية خلف المضيق، يخرج بنك إنجلترا مهدداً برفع الفائدة ست مرات إذا بلغ النفط 120 دولاراً.
وهنا يبرز تساؤل مع الكاتب: هل يُعقل أن ترفع الفائدة 12 مرة إذا قفز البرميل إلى 180 دولاراً؟ إن هذه المقامرة النقدية، المبنية على الخوف من “الآثار الثانوية”، تتجاهل أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الاستراتيجية مثل الألومنيوم والأسمدة يولد انكماشاً تلقائياً في قدرة المستهلك الشرائية.
وبدلاً من أن يعمل البنك المركزي على امتصاص الصدمة، نجد إصراراً على “تأديب” الأسواق برفع الفائدة، وهو ما يهدد بوأد أي انتعاش في قطاع الإسكان أو الاستثمار، وتكرار خطأ عام 2008 التاريخي حين رفعوا الفائدة والاقتصاد يغرق بالفعل في ركود محقق.
كيف تحول بنك إنجلترا إلى رهينة الكينزية
يدخل الاقتصاد العالمي اليوم نفقاً مظلماً تشكله الفجوة الآخذة في الاتساع بين مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، حيث بدأ الأول أخيراً رحلة التحرر من قبضة النخب الأكاديمية التي تتبنى أفكاراً هدامة عفا عليها الزمن.
إن الاستجابة العقلانية لأي مصرف مركزي يواجه صدمة ركودية كالتي تلوح في الأفق من مياه الخليج المشتعلة، تقتضي إما الثبات أو المبادرة بخفض أسعار الفائدة لامتصاص الصدمة وتخفيف وطأتها على الأسواق.
لكن الواقع يشير إلى أن بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي لا يزالان يتبعان التدخل الحكومة بشكله الجديد في توقعات التضخم، وهو النور المضلل الذي وجه السياسات النقدية الغربية لعقود، ويشكل جوهر التفكير في مصانع الدكتوراه الأكاديمية التي لا تقبل أي صوت للمعارضة.
كيفن وارش” والفرصة الأخيرة للنجاة
في ظل تراجع مصداقية بريطانيا، التي دفعت بها سياسات حزب العمال المنعزلة والمتساهلة مع الإنفاق والضرائب إلى حافة أزمة سندات سيادية، لم يعد بإمكان بنك إنجلترا قيادة المبادرة لاستعادة المبادئ الكلاسيكية.
الأمل الوحيد المتبقي للغرب يكمن في “كيفن وارش” – مرشح ترامب لتولى قيادة الفيدرالى الامريكى- ومجلس الاحتياطي الفيدرالي للقيام بهذه المهمة؛ فوارش يدرك أن الذكاء الاصطناعي والطاقة الصينية قوى انكماشية قوية، وأن القفزة العنيفة للأسعار بسبب الحروب ليست تضخماً دائماً يستوجب خنق الأسواق.
إن على محافظي البنوك المركزية، وعلى رأسهم أندرو بيلي، أن يسألوا أنفسهم: “ما هو التضخم حقاً؟” قبل أن تكتمل نقمة الكينزيين الجدد وتقضي على ما تبقى من النظام المالي الغربي.


