تكشف شهادات جديدة وتحقيقات ميدانية عن واحدة من أكثر حلقات مأساة الحرب السودانية قسوة، مع تعرض أطفال للاختطاف والتجنيد القسري والزج بهم في العمليات القتالية، بينما تشير شهادات ناجين إلى وجود مدربين أجانب شاركوا في تدريب بعض المجندين الأطفال ضمن صفوف قوات الدعم السريع.
وتأتي هذه الشهادات في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في السودان لا تزال مرتفعة بصورة مقلقة. فقد سجلت الأمم المتحدة أكثر من 1850 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال خلال عام 2025، شملت التجنيد والاستخدام والقتل والتشويه والاختطاف والعنف الجنسي والهجمات على المدارس والمستشفيات وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية.
أطفال مخطوفون في ساحات القتال
وبحسب شهادات نقلتها وكالة «أسوشيتد برس» عن ستة أطفال سابقين قالوا إنهم اختُطفوا وأُجبروا على القتال مع قوات الدعم السريع، فقد عاش بعضهم ظروفًا بالغة القسوة خلال فترة وجودهم في مناطق القتال.
وقال أحد الناجين، وهو في السابعة عشرة من عمره، إنه أُجبر على القتال لمدة 18 شهرًا بعد اختطافه من أم درمان، فيما تحدث ناجون آخرون عن استخدام وسائل قاسية لمنع الأطفال من الفرار أثناء المعارك، بينها تقييد بعضهم بالسلاسل إلى الأسلحة المثبتة على المركبات.
ولا تمثل هذه الشهادات مجرد روايات فردية معزولة، إذ تشير الأمم المتحدة إلى أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة قد يحدث عبر الاختطاف أو الإكراه والتهديد، كما قد يرتبط بالفقر أو الرغبة في حماية المجتمعات المحلية أو الانتقام، فيما يظل الطفل في جميع هذه الحالات ضحية لانتهاك جسيم.
تدريب أجنبي ومقاتلون من كولومبيا
وتكتسب الشهادات أهمية إضافية في ظل تزايد الأدلة على وجود مقاتلين أجانب إلى جانب قوات الدعم السريع.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في أبريل 2026 فرض عقوبات على شبكة قالت إنها شاركت في تجنيد أفراد سابقين في القوات المسلحة الكولومبية للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن مئات العسكريين الكولومبيين السابقين توجهوا إلى السودان لأدوار قتالية وفنية.
وفي الشهر نفسه، فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات على ثلاثة كولومبيين اتُّهموا بتجنيد عناصر عسكرية سابقة للقتال في السودان لصالح قوات الدعم السريع.
وتعززت هذه الصورة بتقرير نشرته «رويترز» في يوليو 2026، استنادًا إلى نتائج لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، تحدث عن وجود مقاتلين كولومبيين إلى جانب قوات الدعم السريع، وقدرت مصادر اللجنة عددهم بنحو 1500 إلى 2000 مقاتل، مع مشاركتهم في عمليات عسكرية واستخدام الطائرات المسيرة والتخطيط للعمليات.
وفي المقابل، نفت دولة الإمارات الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع أو التورط في أنشطة المرتزقة، مؤكدة أن الجهات التي طالتها الاتهامات تعمل وفق القوانين الإماراتية والدولية.
أرقام الأطفال المجندين لا تزال غير مكتملة
وتزداد مأساة الأطفال المجندين تعقيدًا بسبب غياب إحصاء شامل يمكنه تحديد العدد الفعلي للأطفال الذين زُج بهم في الحرب.
ونقلت «أسوشيتد برس» عن عبد القادر عبد الله أبو، الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان، تقديره أن عشرات الآلاف من الأطفال قد يكونون جُندوا منذ اندلاع الحرب. لكن هذا الرقم يظل تقديرًا، ولا يمثل حصيلة أممية موثقة لجميع الحالات.
وتشير بيانات وتحليلات متخصصة إلى أن تجنيد الأطفال في السودان لا يقتصر على نمط واحد؛ فقد يحدث عبر الاختطاف والإكراه، أو عبر تعبئة محلية وضغوط اجتماعية، كما رُصد استخدام أطفال في صفوف قوات الدعم السريع، إلى جانب تجنيد قاصرين في حملات تعبئة مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وحلفائها.
كما وثقت الأمم المتحدة حالات مرتبطة بالأطراف المتحاربة؛ ففي تقرير الأمين العام بشأن الأطفال والنزاع المسلح لعام 2026، ارتبطت حالات موثقة من الانتهاكات بأفراد من قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة مع القوات المسلحة السودانية، بما يؤكد أن حماية الأطفال أصبحت إحدى أكثر القضايا إلحاحًا في الصراع.
أطفال يخرجون من الحرب بإصابات وصدمات
ولا تنتهي المأساة بخروج الطفل من ساحة القتال؛ فالأطفال الذين ينجون من التجنيد يواجهون غالبًا آثارًا ممتدة تشمل الإصابات الجسدية والصدمات النفسية والخوف والوصمة الاجتماعية، فضلًا عن فقدان سنوات الدراسة والحياة الطبيعية.
وتؤكد اليونيسف أن الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة لا يشاركون في القتال فقط، بل قد يُستخدمون كحراس أو رسل أو طهاة أو ناقلين للمعدات، وهو ما يجعل مصطلح «الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة» أدق من اختزالهم في وصف «جنود أطفال».
وفي شمال دارفور، وثقت منظمة العفو الدولية في تحقيق نشرته يوليو 2026، اعتمادًا على 247 مقابلة بينها 39 مع أطفال، سلسلة واسعة من الانتهاكات ضد المدنيين والأطفال، شملت القتل والتعذيب والاحتجاز والاغتصاب والعنف الجنسي والتهجير القسري والاضطهاد، ضمن ما وصفته المنظمة بجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات الدعم السريع.
من ساحات القتال إلى إعادة التأهيل
وتتجاوز مسؤولية إنقاذ الأطفال مجرد إخراجهم من مناطق القتال، إذ تحتاج هذه الفئة إلى منظومة متكاملة تشمل الرعاية النفسية والطبية، وإعادة التأهيل، ولمّ شمل الأسر، وإعادة الالتحاق بالتعليم، ومنع تعرض الأطفال مجددًا للتجنيد أو الاستغلال.
وتشدد الأمم المتحدة على ضرورة التزام جميع أطراف النزاع في السودان بالحد الأدنى للسن، وهو 18 عامًا، ووقف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية.
وتؤكد القضية أن الحرب السودانية، التي بدأت في 15 أبريل 2023، لم تعد مأساة عسكرية وسياسية فحسب، بل تحولت إلى أزمة عميقة تخص جيلًا كاملًا من الأطفال الذين يواجهون خطر فقدان التعليم والأسرة والأمان، إلى جانب خطر تحويلهم من ضحايا للحرب إلى أدوات داخلها.
وفي قلب هذه المأساة، تبدو مهمة إعادة الأطفال إلى حياتهم الطبيعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ إذ إن إنهاء التجنيد وحماية القاصرين وإعادة دمج الناجين في المجتمع تمثل جزءًا أساسيًا من أي مسار حقيقي لإنهاء آثار الحرب السودانية، وليس مجرد ملف إنساني هامشي.






