انتهت معركة الأيام الاثني عشر بشكل تقني، لكنها لم تنه الصراع بل كشفت النقاب عن مرحلة جديدة أكثر خطورة من المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، التصريحات من الجانبين والتقييمات الاستخباراتية تشير إلى أن كلا الطرفين يعتبر أن الجولة القادمة ليست مسألة ‘إذا’ .. بل: ‘متى’ و’كيف’.
تصريحات القادة الإسرائيليين لا تترك مجالاً للشك.، فرئيس الوزراء نتنياهو يعد بتحرير الشعب الإيراني، ووزير دفاعه كاتس يهدد باغتيال المرشد خامنئي، بينما يحذر مستشار الأمن القومي السابق من حروب إضافية مع طهران.
الرهان الصهيونى
الرهان الإسرائيلي الأساسي لم يعد على الضربات الجوية وحدها بل على تغيير النظام في إيران نفسها، وتقارير استخباراتية وإستراتيجية إسرائيلية تؤكد أن تدمير المنشآت النووية لن يكفي طالما بقي النظام الحاكم قائماً.
الخطة الإسرائيلية تسير على مسارين متوازيين، المسار العسكري لضرب البنية التحتية النووية والعسكرية، وتفكيك شبكات الحلفاء والمسار السياسي لخلق ظروف التمرد الداخلي ودعم المعارضة وتشجيع الانفصاليين.
دراسات صهيونية
الدراسات الإسرائيلية توصي بمواصلة الضغط حتى بعد أي اتفاق دبلوماسي وتدرس سيناريوهات علنية وسرية لإسقاط النظام بما في ذلك عمليات الاغتيال لدق إسفين في صفوف النخبة الحاكمة.
رد ايران
إيران من جهتها ترفع سقف الردع وتعلن للمرة الأولى علناً قدرتها على تعديل عقيدتها النووية وصنع السلاح إذا تعرضت لتهديد وجودي أولوياتها الثلاثة الآن هى: بقاء النظام وتطوير البرنامج النووي وتعزيز ترسانة الصواريخ الباليستية.
طهران تتحسس خيبة أمل من الغرب وتتخوف من مصير مماثل لمصير العراق إذا قدمت تنازلات كما تسارع لترتيب بيتها الداخلي بتعيين لاريجاني على رأس الأمن القومي وتعزيز التنسيق بين أجهزتها.
التحالفات الاقليمية
التحالفات الإقليمية تدخل على الخط فى شكل زيارات عاجلة لوزراء الخارجية والدفاع الإيرانيين إلى موسكو وبكين بحثاً عن دعم سياسي وعسكري لسد الثغرات التي كشفتها الحرب الأخيرة.
المشهد ينذر بجولة جديدة أكثر دموية واتساعاً، فإيران تعتقد أن الردع النووي هو ضمانتها الوحيدة للبقاء، وإسرائيل تعتبر اللحظة الحالية فرصتها الذهبية للإجهاز على خصمها نهائياً.، والمنطقة على حافة الهاوية والمواجهة الشاملة تبدو مسألة وقت لا أكثر.
الاستراتيجية الإسرائيلية: من الاحتواء إلى تغيير النظام
إسرائيل تعيد تعريف هدفها الاستراتيجي من مجرد تأخير البرنامج النووي الإيراني إلى تغيير النظام في طهران نفسه، هذا التحول الجذري ينبع من قناعة راسخة أن أي إنجاز عسكري سيبقى هشاً طالما ظل النظام القائم.
الأدوات العسكرية المباشرة:
ضربات جوية متقدمة: تستهدف البنية التحتية النووية بعمق أكبر مع التركيز على منشآت التخصيب تحت الأرض ومخازن الأسلحة ومقار صنع القرار.
حرب السيبران: شن هجمات إلكترونية واسعة النطاق لشل شبكات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية الحيوية في إيران لخلق الفوضى وإضعاف قدرة النظام على الاستجابة.
عمليات الاغتيال: تصفية رموز علمية وعسكرية وأمنية بارزة في محاولة لشل قدرة النظام وإحداث فراغ قيادي.
الادوار غير المباشرة (حرب الإيذاء):
دعم المعارضة: تقديم دعم مالي ولوجستي وسياسي كبير للمجموعات المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج ومساعدتها على تنظيم صفوفها.
إثارة النزعات الانفصالية: تأجيج التوترات العرقية والدينية داخل إيران (مثل العرب الأحواز، الأكراد، البلوش) من خلال تقديم الدعم للحركات الانفصالية بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي وإرهاق النظام بأزمات داخلية.
الحصار الاقتصادي الشامل: العمل على عزل إيران اقتصاديا عبر تشديد العقوبات إلى أقصى حد ومنع أي تدفق مالي أو سلعي إليها.
الاستراتيجية الإيرانية: البقاء والردع والتوسع
إيران تدرك أن التهديد وجودي وليس فقط استراتيجي لذلك فإن سياستها تقوم على ثلاثة أركان رئيسية:
أولا: تعزيز الردع النووي: استخدام التصريحات العلنية حول ‘القدرة’ على صنع سلاح نووي كرسالة تهديد استباقي لثني إسرائيل والغرب عن أي هجوم كبير الهدف هو رفع تكلفة أي مواجهة إلى مستوى غير مقبول.،
ثانيا: تسريع البرنامجين النووي والصاروخي: العمل على إعادة بناء وتطوير القدرات النووية والصاروخية بوتيرة أسرع وبشكل أكثر تشتيتاً وتخفياً لتصعيب مهمة الضربات الإسرائيلية.
ثالثا: تعزيز المحور الإقليمي (المحور المقاوم):
*حلفاء إيران (حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، الفصائل العراقية) يمثلون ورقة ضغط هائلة. فإيران ستعمل على تحفيزهم لفتح جبهات متعددة ضد إسرائيل والولايات المتحدة في حال اندلاع الحرب لشتات قوات العدو وإضعاف تركيزه. واللجوء إلى الحلفاء الكبار (روسيا والصين و السعي الحثيث للحصول على غطاء دبلوماسي وسياسي في مجلس الأمن، بالإضافة إلى شراء أسلحة متطورة (أنظمة دفاع جوي، صواريخ دقيقة) لتعزيز القدرات الدفاعية الهجومية.
السيناريوهات المحتملة للمواجهة القادمة
1. سيناريو التصعيد المتدرج (الأكثر ترجيحاً):
-تبدأ بضربة إسرائيلية ‘محدودة’ على منشأة نووية أو عسكرية.
– ترد إيران بضربة صاروخية من أراضيها أو عبر حلفائها.
– ترد إسرائيل بضربة أكبر وهكذا يدخل الطرفان في دوامة تصعيد متبادل قد تخرج عن السيطرة بسرعة إلى حرب شاملة.
2. سيناريو الحرب الشاملة المفاجئة:
-تقوم إسرائيل بشن هجوم عسكري ضخم ومفاجئ وشامل بهدف إنهاء القدرة النووية الإيرانية مرة واحدة وإسقاط النظام في عملية خاطفة.
– سترد إيران باستخدام كل ما لديها من صواريخ باليستية وتوجيه حلفائها لضرب إسرائيل وأهداف أمريكية في المنطقة.
وهذا السيناريو هو الأكثر تدميراً للمنطقة والعالم.
3. سيناريو الحرب بالوكالة الممتدة:
-تستمر المواجهة بشكل غير مباشر من خلال الاغتيالات والضربات في سوريا والعراق والعمليات الإلكترونية والحرب الاقتصادية.
– هذا السيناريو يعني استمرار حالة ‘لا حرب لا سلم’ مع خطر التحول إلى مواجهة مباشرة في أي لحظة.
العوامل الحاسمة التي ستحدد الحرب
الموقف الأمريكي: هل ستدخل الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل بشكل كامل أم ستحاول كبحها؟ هذا هو العامل الأهم.
رد فعل حلفاء إيران: إلى أي درجة سيتمكن حزب الله والحوثيون من فتح جبهات فعالة ومؤثرة.
التماسك الداخلي: هل سيصمد النظام الإيراني أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة؟ وهل ستصمد الحكومة الإسرائيلية في حالة وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة؟
رد الفعل الدولي:موقف روسيا والصين والدول الأوروبية والعربية سيلعب دوراً حاسماً في فرض وقف لإطلاق النار أو في تأجيج الصراع.
المنطقة على شفا حفرة
المنطقة دخلت واحدة من أخطر مراحلها الحديثة، الطرفان يعتقدان أن الوقت ليس في صالحهما، إسرائيل تريد إنهاء التهديد الإيراني الآن، بينما إيران تعتقد أن امتلاك الردع النووي هو ضمانتها الوحيدة للبقاء، هذا الاصطدام في الرؤى الاستراتيجية يجعل المواجهة الشاملة احتمالاً مرعباً وكبيراً تتدخل فيه أطراف عديدة ومصالح متشابكة، مصير الشرق الأوسط سيتحدد في الأشهر القادمة.







